مضى مؤمن في حال سبيله ؛ ليخفي تلك البقايا ...

وأنا مازلت في نجاستي يداي ملطختان بالدماء

تعتريني المشاعر المأججة بالصراع والهواجس المفعمة بالجنون ...

بقيت وحدي مع جرمي الفاحش وخطيئتي المؤرقة للنوم ، لم أستطع فعل شيء ولم أقو على الحراك من مكاني أفكر بما أحل بي ..

هل هو من صنيع أيمن وجحوده وجمود مشاعره ، أم هو من صنيع يداي المتوحشة التي نبتت بها مخالب الوحوش المفترسة ، وبت أنهش لحوم البشر بأنيابي الحادة البارزة ؟

هل حقا تحولت لحيوان سقيم ، لدابة لا تمتلك أي عقل أو ضمير أو مشاعر ، لا تفقه شيئا بالأمور يقع عليها جمعا من الدواب دون ممانعة منها ؟

كنت أتأوه ...اااااااه لقد صدقت نظرة أيمن لي أنا دابة ليس إلا ، لو كنت بشرا لأحس بي وعاملني معاملة البشر ؛ لكنه أيقن مع الوقت بأن هناك حيوانا دفين يقطن في داخلي ..

أنا بشرية الشكل من الخارج ، لكن بداخلي حقا كان هناك كائن متوحش مخيف ، خامل ينتظر الفرصة المناسبة لينقض على فرائسه دون رحمة ..

كنت خام باردة كالجليد ، كنت أعتقد بأن بغضي له من منطلق معاملته الهوجاء ؛ لكني في تلك الليلة اكتشفت الحقيقة المرة على قلبي..

كنت أمقته لأنني كنت من ضمن الدواب المجردة من الرحمة ؛ حتى الحيوانات ترأف لحال فريستها وعجزها ولا تنقض عليها وهي مريضة أو في حالة عجز بل إن الله يسوقها ؛ لترعى بعضها البعض أما أنا فكنت عديمة الرحمة بلا أي إحساس ..

ااااه من تلك التربية السقيمة والتقاليد والعادات المجحفة البالية المهترئة المحافظة ، هي التي كانت سببا في خلق ذاك الكائن الذي بت عليه الآن ، لذلك فلا تلمنني ولوموا من عقني في صغري وكبري ومن عقني في تربيتي ومعاملتي ، لوموا المجتمع المعتل بهواجس مرضية وتفكير مفرط في المحافظة على الفتيات ..

لا أفهم لم ينجبون الإناث ، لم لا يقمن الأمهات والجدات بوأدهن منذ اللحظة الأولى للميلاد ، لم لا يقوم الآباء بدفنهن تحت الثرى ، فيقوا أنفسهم شر بلية فتياتهم والعار الذي قد يلحقنه الفتيات بأهلهن وسمعتهم ، لم لا يرحننا من عناء تلك الحياة الفانية ، وتسلطهم المجحف الظالم ، ويقونا شر شرك الرجال وعذاب الزمان وصراخ الأنات ...

استغفري الله سيدة عفاف ما هذا الهراء الذي تهذين به ؟.

استغفر الله العظيم وأتوب إليه ..

لكن هذه هي الحقيقة المرة التي تحياها الإناث في شريعة المجتمع والأهل ، ينعتوننا بأننا شر البلية في الحياة والممات ، وبأننا ناقصات عقل ودين لا يحق لنا أن نختار مصيرنا ، أو نبدي رأينا في الأمور ، فعاطفتنا الضعيفة التي ننجر خلفها بدون وعي تجر علينا الويلات ، وتوصم أهلنا بالمعرات كما يزعمون ..

أي تفكير سطحي هذا ، وأي عقل سليم قد يتقبل تلك الترهات ، ألم يكرمنا الله في محكم كتابه الكريم ، فبأي حق جعلوا منا عبيدا لهم واقتصوا منا حقوقنا ؟.

بتنا في شريعة هؤلاء البشر من نساء ورجال كالإماء ، يعاملوننا كالدواب ويقولون " اكسر للبنت ضلع يطلعلها أربعة وعشرين ضلع "..

أي جهل هذا الذي نشأنا فيه وأرغمنا فيه على الطاعة العمياء ؟

يخيل لي بأنهم تركونا نعيش فقط لخدمتهم قبل زواجنا ، ثم لإشباع رغبات أزواجنا فيما بعد لا غير ..

نقوم على خدمة الأهل والأزواج ، ثم ننجب الأبناء مثل الدواب ؛ لنحافظ على سلالتهم كي لا ينقطع ذكرهم من الحياة بعد الموت ؟.

ألم يخلقنا الله سويا من طين وجعل منا الذكور والإناث ؛ لنكون خلفاءه في الأرض ، ونعمرها

بالكد والعمل ، ألم يخلقنا للعبادة والطاعة وساوى بيننا في الطاعات والواجبات وفي الجزاء والعقاب ؟..

نعم سيدة عفاف كلامك صحيح ..!!!

إذن قولي لي ، لماذا يعاملنا الأهل والمجتمع بهذه العنجهية والتكبر ، وكأننا وباء أو نجاسة عليهم أن يبتعدوا عنها ويطهروا أنفسهم منها ، وعليهم أن يسجنوها ويقيدوا حريتها ويجعلوها قابعة في سجن تلك العادات والهواجس حتى الموت ؟..

لا أعلم ماذا أقول لك ..

الجميع لا يعلم ولا يعرف سوى لوم الفتيات على مصائب الكون ، وشذوذ الشباب ، وانحرافهم ..

لكن لا أحد يعلم معاناتهن في تلك الليالي الباردة ، حين يحتجن إلى صدر حنون يرتمين في كنفه ؛ ليمتص آلامهمن ويزيل أناتهن ويخفف من حمولهن ويشعرهن بالأمان والسكينة..

لقد عانيت في حياتي سابقا وعانيت تلك الليلة من وجع وحسرة وندم ما لم أعانيه طوال حياتي ...

مضت الساعات تلو الساعات وأنا وجلة مغيبة عن العالم الواقعي ؛ حتى سمعت صوت المؤذن وهو يكبر معلنا عن وجوب الانصياع لنداء الله والصلاة ..

قمت إلى الحمام لأغتسل من تلك الجنابة وأطهر نفسي ولو قليلا من وحل الرذيلة ورائحة الموت التي علقت بثيابي وجسمي ..

كنت متثقاقلة فاقدة الإتزان أترنح ذات اليمين وذات الشمال ، أشعر بأن الأرض تدور من حولي وكأني في داخل دوامة إعصار مدوي ..

اغتسلت ولبست ثيابي وتوضأت وجهزت نفسي للصلاة ووقفت بين يدي الله محملة بالذنوب والخطايا ، طالب العفو والمغفرة ..

كانت صلاتي يعلوها النحيب وصوتي ملؤه حشرجة وكلماتي متقطعة ، لا أعلم ولو قبلت صلاتي أم لا فلقد غلب على أجوائها صوت البكاء والغصة من شدة تأنيب الضمير حينها...

أتعجب من أمرك قمت بعملتي قتل ، قم وقفت بين يدي الله ، كيف تجرأت ؟..

إن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعا مهما عظمت وكبرت ..

ثم قولي لي إلى أي باب ألجأ في وقت الشدة لأطرقه سوى باب خالقي ، ولمن ألجأ في دعائي ومن يمكنه سماع عويلي واستغاثتي ، أغير الله أرجو يا أستاذة ؟

ونعم بالله ، أستغفر الله العظيم من كل ذنب سيدة عفاف معك حق ..!!

أخطاؤنا شيء ، وعبادتنا شيء آخر يجب أن نفصل الأمور عن بعضها البعض ونضعها في نصابها الصحيح ، أعلم أن الطاعة والعبادة تنهانا عن إرتكاب الفواحش ، لكن نحن بشر ولسنا ملائكة نصيب ونخطأ وخير الخطآين منا هم التوابين .

يالله ..!!! رغم ثقافتك الدينية وآلتزامك ، طاوعتك نفسك على المعاصي ..

إن النفس لأمارة بالسوء وقلوبنا موضوعة بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها حيث شاء وكيفما شاء ، فالحمد لله على ما كان وسوف يكون ..

نعم الحمد لله سيدة عفاف أكملي رجاء...

أنهيت صلاتي ثم ارتميت على الأرض وغطيت في سبات عميق ، لم أستيقظ إلا على صوت ابنتي الصغرى درة وهي تصيح وتوكز كتفي أماه .. أماه ... أريد أن آكل .

نهضت من نومي وعدلت هيئتي وجلست واحتضنتها وذهبنا للمطبخ وأعددت طعام الفطور وأطعمت الفتاتين ، ثم أخذتهما للحمام ليأخذا دشهما الصباحي وألبستهم ثيابا نظيفة وسرحت لهما شعرهما وتركتهما ليلعبا معا..

لم يسألا عن أبيهما وأخيهما أشرف ؟

لا فهما يعلمان أن من عادة أبيهما أن يصطحب أشرف ويبيتا معا عند بيت جدهما ، لأنه صبه ومسموح له ما هو ممنوع للفتاتان ..

أها... تبا لتلك العنصرية الذكورية في مجتمعنا .

مضى أسبوع على تلك الليلة ولم يعلم أحد بما جرى ، حتى اتصل أهل زوجي وسألوا عنه لأنه لم يذهب إليهم منذ بضعة أيام ، فقلت لهم لا أعلم اصطحب أشرف إلى المطعم ولم يعد منذ أسبوع ظننت بأنه كعادته لربما أتى إليكم وأحب أن يمضي بعض الوقت لهذا لم أسأل عنه ، فأنتم تعرفون بأنه ينزعج من سؤالي ..

ومن الذي هاتفك ؟

شقيقة زوجي العقرباء ، التي هبت في وجهي وأسمعتني كلاما بذيئا كعادتها ، ثم قالت لي أنت أفعى سامة عديمة الرحمة أخي لم نره منذ أسبوع يالك من امرأة لا تملك قلبا بين جنحيها بل تملك لوح جليد أو صخر قذر ..

فعلم أهلها بالأمر وصعقوا من هول وقع الخبر على قلوبهم ، فما كان منهم إلا أن قاموا بإبلاغ الشرطة ، التي هرعت إلى المكان وقامت بعمل بحث شامل للبيت وللمنطقة ، وشرعت في تحقيقاتها المتعارف عليها ؛ لكنها لم تصل إلى شيء فكافة الخيوط التي يمكن للشرطة أن تتبعها قد أتلفت بالكلية ، فلقد خططنا لها جيدا ، ومؤمن لدية خبرة في أمور المواد الكمياوية والتفاعلات وكيفية إزالتها من المكان بحكم تخصصه وعمله في هذا المجال بالإضافة إلى عمله الحر في التجارة...

واضطرت الشرطة إلا غلق الملف ، بعد أن شاعت فكرة أنه قد يكون أخذ أشرف وسافر به إلى خارج الحدود عن طريق الأنفاق ..

كان مؤمن هو سبب تلك الإشاعة ، وأخبر الشرطة بأن أيمن أخبره منذ فترة نيته بالهجرة والسفر ، ليتخلص من مشاكله الخاصة وظروف حياته المضنية..

يتبع

1

2    3     4    5     6     7   8

بقلمي قمر عزات