كانت الفكرة والإشاعة مستساغة للجميع حتى أهله قالوا نعم ولم لا ، طالما أنه يسكن مع حرباء متلونة وأفعى سامة دائما ما تبخ سمها في وجهه ، وجعلته يمقت البيت والبلد ..

لم أعر كلامهم أي اهتمام ؛ بل نظرت إليهم نظرة احتقار فأنا حقا أبغضهم بغضا شديدا ..

إذا لقد أثلج الأمر صدرك سيدة عفاف بعد أن ارتحت من فكرة ملاحقتك ، واكتشاف أمر تلك الليلة ..!!

نعم نوعا ما ... لكني لم أعد أهنأ بحياتي لقد بدأ البيت يضج بأصوات غريبة ، وبت أسمع صوت صريخ في البيت ، وألمح طيفا أسود يحوم في أرجاء البيت ، كانت المدفأة تشتعل وتنطفئ دون أن يقوم أحد بإشعالها ، وأسمع فحيح أفاعي يسري في أركان البيت ..

فأمسكت بهاتفي واتصلت على مؤمن الذي هرع مسرعا إلى البيت بعد منتصف الليل .

ركن سيارته بعيدا عن البيت كي لا يثير شكوك أحد وترجل بحذر ومضى إلى أن وصل البيت ففتحت له الباب وارتميت بين أحضانه دون شعور وأنا مرعوبة ، فربت على كتفي ثم قبلني ومسح وجهي بيديه الحانيتين وهو يقول : إهدئي أنا هنا سأحميك لا تخافي ، ثم جلسنا على الأريكة وأنا أرتعش فحالة الرهاب مازالت تتملكني حقا ..

وما لبثت أن هدأ روعي قليلا ، بعد أن شربت كأس عصير الليمون الذي أعده لي مؤمن ، فإذا بنا نسمع أصواتا غريبة تصدر من داخل الحمام وبابه يزقزق إثر فتحه وقفله ، انتابنا حينها الرعب وتمسكنا ببعضنا وقمنا معا إلى مصدر الصوت فلم نرى شيئا ، فتنفسنا الصعداء والتفتنا عائدين للخلف وإذا بريح قوية تفتح نافذة صالة الجلوس وتبعثر الأشياء فيها ، فذهب مؤمن وقام بإغلاقها وأنا متشبثة بذراعه ، غمرني برفق وحثني على الإطمئنان ومضينا إلى الأريكة فإذا بالنور ينطفئ ، حينها توقفت نبضاتي واختنق صوتي بجوفي وأحسست بانتزاع روحي ...

تناول مؤمن قداحة من جيبه ، وسألني عن مكان الشموع فأشرت له بمكانها ، فذهب وهو ممسك بي وأشعل بعض الشموع ، وأمسك بشمعة وذهبنا إلى غرفة الفتاتين فكانت الصاعقة الكبرى ، الفتاتان تغطان في سبات عميق وغرفتهما مضاءة ، وكأن تلك الغرفة قد عزلت تماما عن باقي البيت ، يعمها الهدوء والسكينة ...

فتأكدنا من هواجسنا وبأن روح أيمن وأشرف هي من تفتعل تلك الأشياء المخيفة ،

فأشار مؤمن أن نبقى في تلك الغرفة لأن روحيهما لن تدخلها بسبب الفتاتين، وأننا المقصودين بالأمر فالفتاتين ليس لهما أي شأن بما حدث ولا تعلمان شيئا ...

ظل مؤمن إلى جواري قرب الساعتين ، ثم قال لي : يجب أن أغادر خوفا من أن تستيفظ الفتاتين وتشرعا في السؤال من هذا يا ماما وندخل في دوامة جديدة في هذا الوقت المشحون ..

فأجبته : نعم معك حق ...

حسنا ...!!

فلتمكثي هنا ولا تغادري الغرفة لأي سبب ؛ حتى يبزغ الفجر فالأرواح تغادر الأماكن التي تقطنها مع أول آذان للفجر وإن اضطررت للخروج ؛ لتلبية طلب لأحد الفتاتين اصطحبيها معك ولا تبتعدي عنها ، ستكون حماية لك من أي أذى ...

حسنا مؤمن سأفعل .. !!

غادرمؤمن وأوصد خلفه باب البيت ، وأنا هرعت وأوصدت باب الغرفة ومن ثم فتحت الراديو وأدرته على تردد محطة القرآن ، وجلست على الأريكة وأنا أنظر إلى السقف لمدة ساعة تقريبا وما شعرت بنفسي إلا وأنا أغط في نعاسي ونمت بهدوء حتى بزوغ الفجر ..

نهضت من نومي توضأت وصليت وذهبت للمطبخ لأعد طعام الإفطار وبعد أن انتهيت أيقظت الفتاتين من النوم وطبعت قبلة على جبينهما ومضيت للخارج لأترك لهما المجال أن تجهزا ولأرد على الهاتف.

من كان المتصل ؟

كان مؤمن أراد أن يطمئن علي وعلى الفتاتين ، تحدثنا كثيرا في بعض الأمور الخاصة إلى أن أتت الفتاتين فاعتذرت منه وأنهيت الاتصال وجلسنا نتناول طعام الفطور ..

فإذا بجرس البيت يرن ، قمت لأرى من بالباب فوجدت محضرا من الشرطة ألقى السلام فرددت عليه : وعليكم السلام خيرا إن شاء الله !!

قال لي : وقعي على هذه الورقة من فضلك .

أي ورقة هذه ؟

ورقة ضم حضانة الفتاتين إلى بيت جدهم ..

إنهرت من هول الصدمة فأمسك بي المحضر وأجلسني على أقرب كرسي أمامه وناولني كوب ماء ، شربت القليل منه .

وبعد أن تمالكت نفسي وقعت له الورقة وغادر إلى حال سبيله ..

أقبلت الفتاتان نحوي وإرتميتا في حضني وهما تبكيان وتسألان : ما بك ماما ؟

بقيت صامتة لا أجد ردا سوى لا شيء ماما سنبقى معا ، لن يفرق شيء بيننا ما حييت سوى الموت ..

ظلت الفتاتان تغمرانني بالأحضان والقبل وأنا أغمرهم بين يداي بشدة ، وعزمت على أمر مهول إذا ما تحققت هواجسي..

مضى اليوم وأنا ألعب مع الفتاتين ونمرح وصوت ضحكاتنا تعلو المكان ، كأنه يوم فرح وعيد متناسيات ما نمر به ، وغير آبهين بكلام أحد من الجيران...

ومع حلول منتصف الليل بدأت حلقة الرعب ، ولكن هذه المرة بضراوة أكبر فأخذت الفتاتين وجلسنا في غرفتهما ، الغريب في الأمر أني الوحيدة التي كانت ترى الأشياء الغريبة وتسمع أصواتها ، أما الفتاتين فكانتا منعزلتين تماما كأنهما في مكان وزمان آخر ...

بعد أن غفت الفتاتان ، اتصلت على مؤمن وأخبرته بأمر حضانة الفتاتين وطلبت منه تكليف محامي للقضية ؛ لأني متعبة قليلا هذه الفترة ولا أستطيع النزول بالإضافة إلى أني لا أفقه كثيرا في هذه الأمور..

وماذا كان رده عليك سيدة عفاف؟

قال لي : لا عليك عزيزتي أنت فقط أؤمري وتمني وأتركي مهمة تحقيق تلك الأوامر والأمنيات لي ، سأكلف المحام الخاص بي بتولي تلك المهمة ، وغدا صباحا في تمام العاشرة سيكون عندك ليتفاهم معك بخصوص القضية وإن شاء الله خير ...

المهم أريد منك أن ترتاحي وتفرغي ذهنك من التفكير ، وقريبا سوف أمر عليك بإذن الله ..

حسنا مؤمن ...

قلتها بنفس متقطع مكبوت ..

ما بالك عفاف أشعر بأن هناك أمرا ما يؤرقك ؟

لا عليك .. ليس هناك شيء مهم على الإطلاق .

لا .. هناك خطب ما وإن لم تقولي لي سوف أتي إليك وليحدث ما يحدث .. !!

لا.. سوف أخبرك ، أشعر ببعض الضيق والخوف ..

خوف من ماذا يا عمري ؟

هناك بعض الأمور المريبة تحدث خارج الغرفة ، وأتوجس من أن تصل إلى غرفة الفتاتين ، أشعر بخطب ما سوف يحدث لي لا أعلم ماهيته ....

هل تودين بأن أحضر إليك الآن ؟

لا... لا ... سأستمع إلى سورة البقرة وأحاول أن أنام قليلا ..

تمام ، هكذا أفضل سأدعك الآن لترتاحي ، وإن حدث شيء فقط اتصلي بي مهما كان الوقت متأخرا ...

شكرا لك مؤمن لا أعلم ماذا كنت سأفعل لو لم ترسلك الأقدار إلى دربي ؟..!!!

أنا بالخدمة دوما عفاف ، لا تشغلي بالك بشيء وهيا أخلدي للنوم ..

في رعاية الله وحفظه ..

في حفظ الله ..

لحظة عفاف ... سأرسل لك بعض المال مع المحامي في مظروف ..

ليس هناك داع لهذا الأمر .. لا هناك داع لا تعارضي ..

سلام .. سلام ...

يتبع 

1

2   3    4    5    6    7    8

9

بقلمي قمر عزات