وانقلبت حياتي بعدها رأسا على عقب ، بدأت معاناتي مع زوجي من ناحية ومع المحيطين والمتربصين بي من ناحية أخرى ..

أصبح أيمن لا يهتم لشؤون البيت وترك مسؤولية كل شيء على كاهلي ، كان متقلب المزاج لا يرسو على حال ، أشعر بعض الأحيان بحبه واهتمامه بي وبخوفه من أن أتركه ، ثم أشعر بأنه بعيد عني بعد السماء عن الأرض يثور لأتفه الأسباب ..

تجرعت كافة أنواع العذاب والألم ، منه ومن أسرته المتجبرة الظالمة ، ومزقت كلمات نسوة البيت شراييني ، كنت أصرخ وأصرخ ، دون أن يرتد صدى نحيبي إلى المكان ، وحيدة مع أحزاني وأشجاني ، أدعو الله أن ينظر لحالي ويرحمني من عذابي ...

كان الجميع يشعرني بأني أرض بور لا تطرح ثمارا ، أشبه بصحراء مقفرة مقحفة ...

اختزلت ألمي بداخلي وتظاهرت بالقوة وعدم المبالاة أمام الناس ؛ حتى لا أشعرهم بضعفي ولا أمنحهم فرصة لإيلامي أكثر ..

انتهزت فرصة أن أيمن في مزاج هادئ ، وتزينت له في أبهى حلة وأعددت له أشهى الطعام والشراب ، ثم قضى مني وترا وأخذته لعالمي الخاص حتى تناسى روحه بين أحضاني وفاتحته بأمر أن نزور الطبيب لعمل التحاليل اللازمة ونعرف سبب تأخر الإنجاب ، علنا نهتدي إلى السبب ويرزقنا الله بالأولاد فقبل ..

وفي صباح اليوم التالي ذهبنا إلى العيادة وقابلنا الطبيب المختص وأجرينا كافة التحاليل المطلوبة ..

وبعد ظهور النتيجة استدعانا الطبيب وأخبرنا بوجود بعض المشاكل البسيطة التي يمكن علاجها ، لكنها ستأخذ بعضا من الوقت ليظهر مفعولها الفعلي ، وبالأخص أن أيمن يعاني من ضعف في القدرة الإنجابية ، لأنه يعاني من دوالي الساقين ولربما يحتاج إلى عملية جراحية فيما بعد اخضاعه لكورس علاجي مكثف .

شكرنا الطبيب ورجعنا إلى البيت ، كان أيمن في حالة انكسار فهو لم يتوقع يوما بأنه سببا أساسيا في عدم الإنجاب ، فأخبرته ألا يهكل هما لهذا الأمر ، ولنجعل الأمر بيننا فقط ولا نخبر به أحدا ، وأن همي الوحيد أن أكمل حياتي معه ، وأني ما عدت أرغب في إنجاب الأطفال ..

فقال لي : سنكمل العلاج لا عليك ..

وضمني إلى كنفه ورجعت الأمور بيننا إلى نصابها السابق لفترة لا تتعدى بضعة أشهر ، حتى بدأ إدمان التدخين وأصبح ينفق كافة أمواله عليه ويهملني معظم الوقت ويغادر المنزل منذ الصباح ولا يعود إليه حتى منتصف الليل ..

وإذا ما عاتبته ثار وغضب ، وكسر أي شيء يعترض طريقه ، أصبحت الحياة بيننا لا تتعدى الفراش ؛ حتى مقته ومقت الزواج برمته ..

لكني كنت مرغمة على البقاء معه ، لأني كنت قد وقعت في شرك حبه إلى أبد الدهر ، مهما جابهت قلبي واعتزمت الرحيل ، أسرني قلبي وأرجعني إلى ذلك الحب الخانق ..

أصبحت معلقة لا أملك لنفسي قرارا يريحني من عذاباتي ،كنت أشعر بأني لا أستطيع العيش في ويلات حب أيمن الذي استغل نقطة ضعفي ، وفي نفس الوقت قلبي لا يطاوعني أن أبعد عنه ، كنت أشعر ببعدي عنه بالموت واعتلال الروح ..

كرهت نفسي وضعفي لخنوعي ..

مرت سنتان ونحن نتابع العلاج ؛ حتى من الله علينا بأول مولود أسميناه أشرف ..

غمر البيت بهجة وسرورا ، مرت حياتنا لعدة سنوات أخرى متذبذبة ما بين حياة رغيدة وبين حياة مأساوية ، ولحماقتي كنت أسلم أيمن قلبي بالتدريج ؛ حتى غدى كل كياني وأنفاسي ..

أنجبنا في تلك السنوات هيام ودرة ..

ظننت بأن الأولاد في حياة أيمن ستغيره للأفضل ، لكنه سقاني ويلات الحياة ..

ودمرني جعلني أعيش بلا قلب ، بدأت أشعر باليأس ؛ حتى تملك مني الإكتآب وفكرت بالانتحار ، لكنني خفت من سوء الخاتمة وسخط الله وعقابه ، أصبحت أتمنى الموت ليلا نهارا ..

ما كان يتعبني ويحز في نفسي هو حال أيمن معي ، لم أعد أعي ماذا يريد ، هل يريد أن يبتعد عني وأتركه ، أم أظل إلى جواره ؟

كنت أسأله بأن ننفصل فأراه قد تحول من حمل وديع هادئ إلى ثور هائج ، ويرمقني بنظر غصب وتوعد ويقول لي : إخرسي لن أطلقك مهما حدث وإن لم تعجبك حياتك معي على هذا المنوال ، اذهبي إلى أهلك لكني لن أطلقك ولو على جثتي ..

كنت حينها أتخبط في مشاعري وأهدأ وأوهم نفسي بحبه لي وبأنه مازال يحمل لي في قلبه الحب والشغف ..

وهل كان حقا يحمل لك هذا الحب ؟

نعم بل وأكثر ، لكنني أنا من زال شغفي بقربه ، أحبه ولا أستطيع البعد عنه ولكنني لم أعد أطيق قربه مني ، كنت أشعر بأن شيطانا يتلبس جسدي إذا ما اقترب مني ..

معاملته الفظة معي في بعض الأحيان وإهماله لي ولمشاعري ، جعلني أبغض قربه ، لأنه كان يشعرني بأني مهمة في حياته فقط لإشباع نزواته.

تعودت على بعده لأني أصبحت أدفن مشاعري واغتالها حتى لا أشعر بالوجع إذا ما غاب عن البيت أو بات خارجه..

صحيح أني انكويت بنار بعده أيام تلو أيام ، وأنا أبكي ولا يشعر بي هو أو غيره ، كنت حينها أشعر بداخل صدري ثوران بركان يحرق أوصالي

يمزقها ويذيبها ...

كنت أشكي همي لله وحده ، كنت أناجيه ليخفف عني همومي ويهدي لي زوجي ..

لكن شيئا لم يتغير الحياة هي الحياة ، أصبح تأرجح حياتنا ما بين الصعود والهبوط أمر راسخ..

هو ينفض يده من كل الإلتزامات وأنا أتحمل مسؤوليتها ، بعت بقية مصاغي وأنفقت كل ميراثي على مصاريف البيت حتى نفقت جميعها ..مرت الأيام والشهور ونحن نقتات على القليل من الطعام والشراب ..

وإذا ما طالبته بتحمل مسؤولياته تذمر ، وخرج من البيت وتركنا وحدنا وأقفل هاتفه حتى لا نستطيع الوصول إليه ..

غريب أمره كيف قبل على نفسه أن يعيش عالة عليك وأن يترك أسرته ويتخلى عن مسؤولياته ؟

ولم لا يا أستاذة ابتسام ؟

كل شيء متوفر له يتركنا جياعا عطشى ويذهب إلى بيت والدته التي تغدقه بحنانها وعطفها وتغدقه بما يحب من الطعام والشراب ، وكانت تفتح له صدر بيتها ، ليبيت فيه إذا ما تخاصم معي بسبب مطالبتي له بالطعام والشراب ..

تعبت من شكوتي لها ولأهله ، لم أترك أحدا إلا وطرقت بابه .

لم يسعفن أحد منهم بل الجميع كان يقف في صفه ، ويزجرني لأني أشكو من سوء معاملته وسوء معيشتي .

أخبروني بأن المرأة ملزمة بأن تتحمل زوجها مهما كان خلقه ومهما قصر في حقها، وواجب عليها طاعته ومرعاة طلباته ، وبأن هذا نصيبي وقدري ؛ حتى أهلي رفضوا استقبالي ووضع حد لمأساتي معه ..

عشت مكسورة الجناح ، الجميع يتلاعب بي ويحيك لي المكائد ، كانوا يتلذذون بأناتي وأهاتي ، ويحزنون إذا ما رأوني سعيدة أضحك ..

في آخر سنة لحياتي معه بدأت تنتابني نوبات اغماء على فترات متقطعة ، تغلغلت الأمراض في جسدي ، أصبحت دائمة الشكوى من التعب ، أصرخ كمن تلبسه الجن ، ألطم وجهي مرارا وتكرار ، أضرب قدماي بقبضة يداي بكل قوة ، أكتم أنفاسي في جوف صدري ، وأخبط رأسي بالأشياء ، أبكي بالساعات حتى تتنفخ عيناي ولا مجيب لصرخاتي ..

أتمنى الموت على تلك الحياة ألعن وأسب الزمان والأهل ، أعاقب نفسي بشتى أنواع العذاب ، على ضعفي وقلة حيلتي وعجزي ..

أتساءل إلى أين أمضي ، ماذا أفعل كيف الخلاص ..

تكررت هذه الحال معي لفترات طويلة ..

لم يتعرف أحد علي أحد بشيء ، كنت أصرف على طعامي وشرابي وعلاجي وملابسي من شغل الخياطة الذي امتهنته في السنوات الماضية ..

فقدت احساسي بأنوثتي ، بدأت أشعر بأني رجل ، أمقت كوني أنثى ، وأمقت حياتي بجميع من فيها...

يتبع

5

بقلمي قمر عزات