بعد لحظات أتى مؤمن إلى الشرفة وكنت حينها في حال يرثى لها ، فمشهد ذوبان جسد أيمن مازال مخيم على عقلي ، ومترائي أمام ناظري ...

رأيت كيف ذابت شحوم لحمه وبدأت تتلاشى مع الدخان المتصاعد ، رأيت كيف ذاب شعره وأظافره ، وكأنه لم يكن سابقا ، لم أحتمل تلك الرائحة ، وذاك المنظر الذي يبعث في النفس القشعريرة والتقزز ، ندمت أشد الندم حينها ، وتساءلت : كيف وصلت بنا الأمور إلى هذا الحد ، كيف قتلت زوجي أبو أولادي ؟

ااااه يا الله رحماك ...!!!!

خاف مؤمن من أن يفتضح أمرنا بسبب نحيبي الصارخ ، فأمسك بيدي وهو يحاول أن يهدئ من روعي ويتمتم بزمجرة تكاد لا تسمع ، أخفضي صوتك ، كفاك نحيبا وإلا استيقظ الأولاد وافتضح أمرنا ماذا سنفعل حينها ؟

تناسيت نحيبي على فعلتي الشنعاء ، وأردفت إليه : لا تقلق لقد وضعت لهم بعضا من المنوم في الشاي ، والآن هم يغطون في سبات عميق ، فلا تقلق بشأن الأطفال ...

حسنا ... لقد إطمأن قلبي الآن ، ولكن لا يخلو الأمر أن يكون هناك أحد ما في محيط البيت من الجيران مستيقظ في هذا الوقت المتأخر فيفتضح أمرنا ويبلغ عنا الشرطة ، سيكون حينها مصيرنا السجن أو الإعدام ، وسنفتح على أنفسنا أبواب جهنم ونحن في غنى عن ذلك الأمر.

نفتح...ههههه ، لقد فتحناها منذ زمن بعيد يا هذا ، ألم تدرك الأمر بعد ، لقد وقعنا في وحل الرذيلة والكبائر وانتهى الأمر ؟

لكن لم تخبرني لماذا أتيت إلي ؟

اااه لقد أنسيتني الأمر ، لقد جئت لأخبرك بأني أنجزت باقي المهمة عنك ووضعت بعض الماء على الجثة ؛ ليساعد في ذوبانها وذوبان العظام بطريقة سريعة كما خططنا سويا فأنت تعلمين بأنها تأخذ وقتا طويلا لتذوب ..

نعم أعلم ذلك ، هل نسيت بأني صاحبة الفكرة ؟

لا لم أنسى وجيد بأنك زدت من حرارة البيت ، لقد ساعدتنا الحرارة في زيادة تلك التفاعلات ، ولم يبق إلى رواسب قليلة من جسده ، وعلينا التخلص منها الآن بوضعها في المدفأة وحرقها .

لا ...يا مؤمن !!!

لا ... ماذا تقصدين ؟.

أقصد بأنك أنت من سينجز باقي المهمة ويتخلص من تلك الرواسب بعيدا عن بيتي ، كما أني لن أسمح لك بوضعها في المدفأة ، فلا يمكنني تحمل مشاهد أكثر من تلك التي رأيتها ؛ فقلبي لن يسعفني كي أرى بقايا أيمن وهي تحترق ، أو أشتم رائحتها بعد أن تعشقها جدران البيت وأركانه وتصبح جزئا متأصلا من بنيانه ، فحتى بعد موته ستظل روحه طليقة تحوم حولنا وتدك كوابيسها مضجعنا حتى تستنزف روحنا ..

ما هذا الهراء ... لقد ذاب جسده وانتهى أمره وأصبحت روحه في عالم آخر .. ثم إن هذا لم يكن إتفاقنا من قبل يا عفاف ؟

حسنا ....أنا تراجعت وهذا قراري النهائي ، لا أعلم حتى اللحظة كيف انجررت خلفك أيها الثعلب الماكر ؟

أنا ثعلب وأنت ماذا هااااا ... قولي لي هيا أيتها الأفعى السامة ؟

قالها وهو ممسك بكتفاي غارسا أظافره في لحم منكبي يهزني بقوة ...

لم أشعر حينها بشيء كل ما أحسسته هو دوران الأرض بي ؛ حتى كدت أسقط مغشي علي .

فإذا به يحملني بين ذراعيه ويجلسني على الأريكة ونبضات قلبه تتصارع ، سمعت صوته كهمس آت من بعيد ...

وهو يقول لي : سامحيني أرجوك أنا آسف ، لا تتركيني وترحلي ، لا أستطيع العيش دونك يا عفاف !!..

عجبت حينها لأمر تصاريف تلك الحياة ..

لماذا عجبت منها يا سيدة عفاف ؟.

عجبت لأمر أيمن الذي وهبته حياتي وتحملت معه وجع السنين ، ساندته في أحلك ظروف حياته ، وتحملت كافة حالاته ودعمته بدون هوادة أو تقاعص ..

كنت استعطف منه الحب وأنشده القرب ؛ لكنه لم يكن يكترث لأمري ، جل ما كان يصبو إليه هو معاشرة الفراش الذي بت أمقته مقتا كبيرا وكرهت كوني أنثى ..

أشعرني بأني لست كائنا بشريا من لحم ودم له أحاسيس جياشة وعواطف مرهفة ، بحاجة إلى معاملة خاصة ورقيقة ، بحاجة لإشباع عاطفته الوجدانية وليس شهوانيته الحيوانية ، بت أشعر معه كأني واحدة من تلك الدواب السقيمة ، كل مبتغاها الطعام والشراب وأن تقع عليها دابة من دواب الأرض دون إحساس أو شعور ، تتحكم بها غريزة حيوانية بتة مجردة من الأحاسيس والمشاعر...

أنت إذا سيدة عفاف كنت تعانين من برود في المشاعر والعواطف ، وفراغ داخلي أدى بك إلى هذه العزلة والضياع ؟

نعم سيدتي الأخصائية ...!!

وللأسف هذا الفراغ ملأه مؤمن الذي أتقن فن العزف على أوتار قلبي ، وحرك مشاعري الجياشة التي كانت مغدقة بسرب طيور من الغربان السود ، تحوم حول جب عميق علها تجد قطرة ماء ؛ لتحلق بها بعيدا إلى عالم السحر والشعوذة لتفك قيد أجنحتها من تعويذة ساحرة شمطاء بشرتها حالكة..

فظاظة أيمن معي جعلني أنساق وراء سرب تلك الغربان السود ، وقطنت على الأغصان مع بوم الليل في تلك الغابة الملعونة..

حاولت كثيرا التراجع ، وحث أيمن على التقدم والقرب لكن دون جدوى ، وجدت من جانبه التجاهل ، والتذبذب في القول والمشاعر ..

لكنه كان معسول الكلام ، قليل الفعل يصحو كما نام لا يستطيع تحمل بعدي عنه ، يريدني أن أتقبله على حاله وأرضخ لشهواته ..

لا أعلم كيف كان يسيء إلي بالنهار ويدوس على مشاعري ويستهتر بها ، ويطالبني أن أكون له امرأة ودودة بالليل ؟

هذا التناقض في أحواله باعد بيننا وقسم ظهر البعير ، وأشعل النار بالهشيم ..

أتساءل كيف لمؤمن أن يذوب بي عشقا ، وكيف لا يتحمل مجردة فكرة بعدي عنه ، وكيف ينفطر قلبه على حالي ، ويحاول إسعادي بكافة الطرق وهو ليس بزوجي ولا تربطني فيه صلة شرعية ، وليس لي عليه أية حقوق ، هي مجرد علاقة سطحية سافهة ، وجدنا فيها أنفسنا وحلقت معها روحنا إلى عالم آخر ؟

يا الله... !!!! لا أعلم سيدة عفاف هل أتعاطف معك أم أثور على أفعالك ؟

لا تعجبي أنا نفسي لا أعلم شيئا ، وعاجزة عن فهم واستيعاب أي من تلك الأمور حتى اللحظة...

حسنا .... ماذا حدث بعد أن حاول مؤمن انعاشك ؟

أتى لي بكأس من العصير الطازج صنعه بيداه خصيصا لي ، وجلس إلى جواري وأسندني على كتفه وسقاني كأس العصير ثم حملني إلى الغرفة ووضعني على السرير ودثرني ...

لكني كنت فظة معه حينها ، وتجاهلت كل ما فعله لأجلي وقلت له : ستكمل المهمة رغما عنك ، وإذا كنت تفكر بالرحيل فلترحل ، في كل الأحوال أنت شريكي في الجريمة وأنت من قام بها وأتى بكافة الأدوات ..

في البداية صعق من قولي ، ثم قال لي : يمكنني أن أخلص نفسي بمنتهى السهولة وأنت تعلمين ذلك ، فمركزي مرموق وبإشارة من أصبعي أجعل البلد تقوم ولا تقعد ، وأستطيع محو كافة تلك الأدلة بسهولة ؛ لكن أنا كل ما يهمني ويثيرني وأهتم به وأصبو إليه هو قربي منك وزواجنا بعد مضي فترة العدة ..

لا أعلم بعدها ما الذي انتابني وقعت معه في الخطيئة في فراش زوجي ، وبينما نحن كذلك سمعت صراخ طفلي أشرف ، لقد كان مستيقظا منذ البداية يراقب كل أفعالنا وسمع حديثنا ورأى جريمتنا بأكملها وكتمها في نفسه .

لكنه لم يتحمل رؤيتي في أحضان عشيقي في غرفة والده فصرخ ..

ويا ليته ما صرخ ..!!!

هرع إليه مؤمن وكتم أنفاسه ، حاولت أن أحول بينهما ..

فقاطعني مؤمن : سوف يشي بنا ويفضح أمرنا علينا قتله ..

صعقت في البداية وانتابني الجزع من كلامه وانتفض قلبي ..

لكن مؤمن أحس مني اللين والتراجع ، فقال لي من يقتل مرة يقتل ألف ، وقدر طفلك هو الذي ساقه إلينا وجعله يظل مستيقظا وشاهدا على جرمنا ، فلنقتله ونتخلص منه كوالده ، وحينها سنقول بأنها رافق والده إلى البحر ولم يعودا ..

أي بحر في هذا الجو المصقع ؟

ما بالك سنقول بأنهما ذهبا إلى مطعم السفينة على البحر ولا يعنينا ماذا حدث بعدها لهما ؟

تذكرت كم كان أشرف فظا كوالده شقي ، متطبع بطباع أهل والده فوافقت ..

وتم التخلص منه كما تخلصنا من والده ، ثم عبأ مؤمن بقايا جسديهما في كيس بلاستيكي ، وأدوات الجريمة في كيس آخر بعد أن غسل المكان ونظفه وأخفى كافة آثار الجريمة ...

يتبع

يتبع

1

2     3     4     5      6     7

قمر عزات