بعد مرور عدة أشهر فتن البارون بابنة صديقه صموئيل رجل العصابات وتاجر المخدرات المعروف،كانت تشبه الليدي في هيئتها وانفعالاتها وتصرفاتها،ثلاثينية شقراء الشعر، بيضاء البشرة حمراء الوجنتين،كأنهما وردتا جوري حطتا على خديها الورديين،جسدها ممشوق كغصن البان تترنح في مشيتها كعارضات الأزياء،تمتلك طلة بهية تأسر أنظار المتأملين في بهاء حسنها الفتنان الذي يداعب أوتار قلوبهم ويعزف عليها ألحان السقوط في غرامها من الوهلة الأولى .

جذبت انتباه البارون لها بفطنتها وردودها المنمقة الرزينة،وخيالها الواسع وحنكتها في مجابهة المشاكل والأخطار وإدارة أعمال والدها العجوز ،فجمالها الخلاب أرداه قتيلا في بحر هواها؛فقرر أن يتزوجها فهي تمتلك كافة مقومات الزوجة المثالية التي يتمناها .

توجه إليها مباشرة في الحديث معبرا لها عن رغبته في الزواج منها إن لم يكن لديها أي مانع سيتقدم لطلب يدها من والدها على الفور .

صمتت قليلا وهي تتأمل البارون وتنظر إلى عينيه الساحرتين اللتين تموجان بزرقتهما كماء البحر؛حين يعانق الشاطئ بثبات وثقة في النفس لامتناهية،ثم أردفت له: ما رأيك بأن تدعوني إلى تناول العشاء ونتحادث بالأمر ؟

بكل ممنونية أيتها الحسناء.

حسنا.. هيا بنا إذن لكن فلتعلم أمرا .

ما هو هذا الأمر ؟

أمامك فقط ساعة كاملة لا أكثر؛لتقنعني بفكرتك وتعرفني بنفسك أكثر عن قرب،وعليك أن تجتهد كثيرا لأقبل عرضك لي .

صدم والدها من جرأتها وابتلع ريقه وتغيرت ملامح وجهه بالكلية وأردف إليها : تأدبي أيتها الفتاة ألا تعلمين مع من تتحدثين ؟

فأشار البارون له بيده أن يلزم الصمت وقال له :دعها يا سام تتحدث كما تريد فهي تروقني حقا،وتعجبني النساء الجريئات الواثقات من أنفسهن .

فردت على حديثهما :لا يعنيني يا أبتي هذا الأمر ولا يهمني معرفة ماهية شخصيته فهذا لن يغير من الأمر شيئا ،حتى لو كان البارون سيمون بنفسه هو من يقف أمامي فلن يهز شعرة واحدة من رأسي،ففي مجال العمل والأمور الشخصية ليس هناك سيد أو عبد فجميع الرؤوس تتساوى بالنسبة لي،والذي يهمني هو العرض بحد ذاته وطالما الأمر يخصني فأنا حينها المخولة بالرفض أو القبول فزمام الأمور وخيوطها كلها بيدي.

انتاب الجميع الصمت والشدوه والإرتباك،فكلام هذه الحسناء قد تجاوز الحد المسموح به مع البارون من وجهة نظرهم،وتأهبوا لسماع دوي الرصاص وهو يخترق صدر الفتاة وسقوطها صريعة على الأرض.

لكن تصرف البارون جاء صادما ومخيب لآمال الجميع،لأن البارون ضحك من كل قلبه مصفقا لها ومثنيا على جرأتها.

ثم أردف لها هامسا :أتعلمين من أنا يا حلوتي الفاتنة،أنا البارون سيمون بشحمه ولحمه ؟

ماذا،إذن أنت هو البارون الذي يهابه الجميع وتقشعر له الأبدان لمجرد ذكر اسمه فيهرعون إلى مخابئهم بمجرد حضورك إلى المكان ؟

أتعلمين رغم تطاولك في الحديث إلا أنك تروقي لي كثيرا وأشعر بأني بت متمسكا بك أكثر مما قبل،لكنني أيضا أمقت أن يصغر شخص ما من مكانتي أو يتطاول على هيبتي،لذا فحذاري يا حسنائي أن يأخذك الغرور والثقة بالنفس بعيدا،

هااا يا حلوتي متفقين ؟

لو سمحت أبعد فقط يدك عن وجهي،ولا تنادني بحلوتي،فأنا لم أقبل عرضك بعد .

ضحك البارون :هههههههه حتى وأنت غضبة تظلين فاتنة ويشع ضياء وجهك أكثر وترتسم ملامح عذبة على وجهك تخطف الألباب.

كفاك تغزلا بي يا هذا فأنت تثير غثياني .

هيا بنا لأصطحبك إلى مطعم سويتلي سيعجبك كثيرا.

مضى البارون مع فتاته الجديدة إلى المطعم بموكبه المعتاد،وبعد مضي ما يقارب النصف ساعة وصلا إلى المكان،ترجل البارون من سيارته ودار حول سيارته متجها للجهة الأخرى فتح باب السيارة للآنسة التي لم يعرف بعد ما هو اسمها ،قدم لها التحية وهو يمد يده اليمنى نحوها طالبا منها أن تتفضل بالنزول .

فأمسكت بيد البارون وترجلت من السيارة،وهي تلقي نظرة إلى هذا المكان الغريب مبدية عن إعجابها به.

وبعد لحظات كان البارون وفتاته يجلسان حول المائدة ينتظران تقديم العشاء حسب قائمة الطعام التي طلباها.

وبينما هما ينتظران الطعام ويحتسيا النبيذ أردفت الحسناء للبارون :هل تعرف اسمي؟

عض البارون على شفاهه وهو ينظر إليها متأملا في تعابير وجهها تارة ومشيحا بنظره عنها هنا وهناك تارة أخرى،ثم أمعن النظر إلى عينيها وهو يلتقط أنفاسه رادفا :لا أعرفه .

اسمي راشيل صموئيل يوحنا .

يا إلهي أنت فتاة عبرية أليس كذلك ؟

نعم وأصل اسمي راحيل أي "انظره".

اسم جميل حقا وله ترنيمة عذبة .

لكن لم تقل لي سيادة البارون ما الخطب في كوني عبرية؟

لا شيء،مجرد استغراب فأنا أعرف والدك منذ فترة ليست بالقليلة ولم أكن أعلم ماهية ديانته،إلا حينما لفظت اسمك بالكامل فتعجبت ليس إلا.

أهااا حسنا.

أتعلمين الآن فقط انتبهت للفظ اسم والدك الحقيقي،نحن نناديه سام أو سامويل حسب اللغة الانجليزية،وهذا سبب اللبس في الأمر.!!

نعم معك حق الجميع يعرف والدي ب"سام".

لكن راشيل أليس اسم صاموئيل اسم يختص بالذات الإلهية في توراتكم؟ .

بلى أيها البارون معناه اسم الله،أو يسمع الله،سمع الله .

وأيضا يا راشيل يقولون بأنه اسم قاض ونبي من أنبياء الله لبني إسرائيل.

نعم ..صحيح أرى أن لديك خلفية لا بأس بها عن التوراة والأسماء يا بارون.

نعم قرأت في التوراة وأفقه بعض الأمور بخصوص تلك الديانة.

أبهرتني أيها البارون،أنت رجل عظيم جدا .

شكرا على إطرائك العذب،لكن أشعر بأن لديك جذور عربية أو درزية،لربما كنت من الدروز العرب.

واوووو،يالك من شخص غريب ومريب وفطن،

بدأت أحتار في أمرك حقا،كيف علمت بهذا الأمر هل أنت منجم أو مشعوذ؟

لا هذا ولا ذالك فقط أقضي بعضا من وقتي في مطالعة كافة الأمور، فمعرفتي بشتى المجالات تخدمني في عملي وتواصلي مع الآخرين.

بدأت تروق لي أيها البارون ههههههه.

جميل جدا يسعدني سماع ذلك منك يا حلوتي..

إذن جذورك مختلطة راشيل،درزية عربية عبرية،يالها من توليفة غريبة حقا،حدثيني عن نفسك قليلا.

أنا أنحدر في الأصل من جذور درزية عربية أصولها الإسماعيلية إحدى المذاهب الإسلامية،نعتبر فيما مضى عرقية دينية موحدة بالله،أتت من غرب آسيا،استقر جدودي في سوريا ومع زيادة الاضطهاد ضدهم هاجروا إلى مصر،فقد كانت حاضنة لكل المذاهب والأعراق واستقروا فيها لعدة عقود؛حتى بدأ يشتعل فتيل الفتن والنزاعات بين الطوائف في مصر على إثر نشوب الحروب بين المصريين واليهود،

فسافرنا إلى المغرب لفترة وجيزة؛ثم ارتحلنا إلى فلسطين في مدينة القدس،مارسنا فيها حياتنا وعبادتنا بحرية كبيرة،ومع تغيير التوجهات والنظم السياسية،أصبح هناك اضطهاد للدروز الذين يقطنون مدنا فلسطينية،فتوجه والدي لمدينة تل أبيب عاصمة الدولة اليهودية بناء على اقتراح صديق مقرب له من اليهود،وبعدها

أصبحت توجهاتنا تسير تبعا للدولة التي نعيش بها،درست في مدارسهم وكنت أذهب مع الأسرة إلى كنائسهم،وكان لزاما علينا حتى نعيش بكرامة ونتمتع بمزايا عديدة أن نتبع سياستهم ونخدم في جيش الدفاع كمواطنين يهود،وقبل أن نأتي إلى هنا اعتنقنا الديانة اليهودية،وأصبح ولاؤنا لدولتنا العظيمة بلد الله المختار"إسرائيل".

أها وتبعا لهذا أصبح اسمك راشيل ووالدك صموئيل.

نعم فهذا كان أمر حتمي وضروري أن نمتلك أسماء لا تمت بصلة للعربية .

يتبع

قمر عزات

في الجزء التالى سنرى توليفة من نوع آخر أحيكت بمهارة ضد نيام العرب.