ولادة على حجارة بيضاء

"قصة قصيرة"

ازدادت سرعة دقات قلبه وكادت أن تهتك أسوار ضلوعه إرباً من شدة الهلع الذي أصابه فجأة. فعلي حين غُرة وجد نفسه ملقي كالضفدع المشلول وسط بركة من الماء والدماء، لا يعرف من أين أتي الماء أو من أين سالت الدماء. كل ما يتذكره أنه كان مستمتعاً بقيادة سيارته السوداء الفارهة، والموسيقي الهادئة، وهو على الطريق الدائري حول مدينته محاولا إيجاد حل لأحد المشكلات التي تواجهه في مصنع السماد الذي يملكه.

نظر حوله فلم يري ولو شبح لإنسان أو حيوان. لم يسمع إلا صوت حفيف أوراق نحيلة لنباتات هشة على حافة هذا المصرف الكبير والعميق والكريه، الذي وجد نفسه مُلقي فيه وحيدا والمياه العفنة تحيط به من كل جانب. لم يفكر في السيارة، ولا الموسيقي، ولا بذلته الأنيقة التي أصبحت بلون مياه الصرف الكريهة. الشيء الوحيد الذي تعلق به هو ضوء القمر الذي بدد عنه ظلمة الليل الصامت وهو عالق وسط مياه المصرف التي تهاجمه حتى كادت أن تصل إلى عنقه وتكتم أنفاسه.

شعر بوحدة شديدة وضياع وهوان لم يشعر بهما من قبل، وهو الذي كان يظن أنه ضد الهوان وضد الضياع، فهو دائما الأقوى بلا منازع وبلا نزاع. ودون أن يقصد، تحسس مقدمة سيارته الغارقة بقدميه، فحمد الله واستجمع قواه محاولا نزع قدميه من لجة الطين العفن الذي ابتلعه كالأسمنت. وبعد دقائق مرت عليه كسنوات عمره الخمسين، استطاع أن يصعد علي جانب السيارة وهو يتمتم بألف ثرثرة في الثانية متمنيا أن ينقذه الله من وسط هذه المحنة الكبيرة وألا تنتهي حياته بهذه الطريقة المزرية.

ظل يحاول استجماع وجدانه وأفكاره المبعثرة هنا وهناك في عقله وقلبه محاولا أن يتذكر ولو دعاء واحد من الدعوات التي كان يسمعها من والده وقت الأزمات، ولكنه اكتشف أنه لا يحفظ منها ولو دعوة واحدة. ورغم جفاف مخزون الدعوات، فوجئ بأن لسانه ينطق، ودون أن يدري كيف، بدعوات تلقائية لنجاته، ظل يدعوا بها وهو وسط هذا البحيرة العائمة من العفن في مياه الصرف التي تغمره من كل جانب. ظل يدعو ويتمني أن يستجيب الله لدعواته وأن تهب رياح ولو بسيطة أو نسمات ولو هادئة لتحرك أغصان تلك الشجرة الوحيدة المتهالكة على شاطئ المصرف لعل أحد أغصانها يقترب منه فيستطيع أن يمسك بطرف أحده وينجو.

وبعد محاولات مضنية وكأن الله استجاب لدعائه، حرك الهواء أغصان تلك الشجرة المتهالكة الحزينة، واستطاع أن يمسك بطرف إحدى أغصانها الضعيفة. وما أن أمسك به وتسلل إليه أمل النجاة حتى فوجئ برنين تليفونه الذي كان قد نسيه تماما. هزته المفاجأة ولم يشعر بنفسه ويده تترك طرف الغصن ليذهب بعيداً عنه. وهنا انتقل أمله من الغصن إلي التليفون لعله يستطيع أن يطلب سائقه أو أسرته أو فريق الإنقاذ بشركته. ولكنه فوجئ أن صوت التليفون قادم من قاع المصرف العميق. كادت أنفاسه أت تُشَل بعد أن فقد الغصن وفقد التليفون.

عاد لمحاولات الامساك بطرف الغصن مرة أخري ولكن بائت محاولاته هذه المرة بالفشل.، ولم يستطع الامساك بالجذع المتهالك على شاطئ هذا المصرف الكبير الذي لم يتخيل أبداً أن يبتلعه هكذا في يوم من الأيام، بل لم يفكر يوماً أن ينظر اليه رغم أنه يمر عليه كل يوم في طريق الذهاب والعودة من وإلى مصنعه. ظل ينادي بأعلى صوته لعل أحد يسمعه وينقذه ولكن لم يكن هناك سوي ماء المصرف الآسن والملوث، والرائحة النفاذة التي كادت تكتم أنفاسه، والسكون الذي يخنق الهواء حوله، وضوء القمر الذي يستأنس به في هذه الظلمة الكالحة، وشاطئ المصرف اللعين الذي أصبح كل أمله في الحياة الآن أن يلمس أحد الأحجار البيضاء الكبيرة الملقاة علي جوانب الشاطئ.

ظل يصرخ في الهواء لعل صراخه يلفت السمع ولكن لم يسمعه أحد، فالوقت قد قارب علي الفجر ولا يوجد هناك سوي صوت نقيق الضفادع، ولكن الضفادع لا تهتم بصراخ وعويل البشر. أصبحت حياته رهينة الجذع المتهالك لغصن متهالك لا يتحرك وهو عالق وسط المياه الاسنة والتي تكفي رائحتها النفاذة لكي تقضي عليه. أغلق فمه تماما حتى تطال المياه فمه والتي لو تسربت لحلقه لزهقت روحه علي الفور. ظل ينظر للحجارة الناصعة البياض علي جوانب المصرف متمنيا أن يشرق النهار الآن ويجد نفسه ملقيا هناك على إحداها ولو عاريا.


توقف قلبه وشهقت أنفاسه عندما شعر بسيارته تغوص به في قاع المصرف في هدوء وكأنها قررت أن تكون النهاية الآن في تلك اللحظة الحاسمة. ظل يصرخ ويصرخ ولكن سيارته لم تسمع لصريخه الذي ملأ الفضاء. أغمض عينيه وفمه واستسلم للموت القادم وسط هذا المصرف الذي سيكون مقبرته بعد قليل. تعجب كيف يشاء القدر ما لم يكن أبدا في الحسبان وكيف يقبض ملك الموت روحه في هذا المكان الملوث. تعجب لماذا لا يرسل الله ملاك الحياة لينقذه بدلا من أن يرسل ملاك الموت. تجمعت الدعوات في صدره كالجبال وبدأ يتذكر كل قرارته الظالمة والمتعسفة والفاسدة والملوثة كتلوث هذه المياه التي تحيطه من كل جانب. تذكر الآن فقط أن مصنعه هو الممول الرئيس لمياه الصرف التي تصب ليل نهار خلسة في هذا المصرف اللعين.

تعجب كيف نسي هذا وكيف حاول مرارا وتكرارا وبكل نفوذه أن يمنع عمال تبطين هذا المصرف بتلك الحجارة البيضاء الملقاة هناك منذ شهور على جوانبه. كيف استطاع تعطيل عملية التبطين هذه حتى فشل حديثاً أمام القرارات الجريئة للمسئول الجديد القوي الجريء الذي لم يهتم بطرقه الملتوية فكان القرار ببدء عملية التبطين غصباً عن كل الفاسدين. تعجب كيف نسي كل ذلك وكيف تكون نهايته علي يد الفساد الذي تسبب فيه. تعجب كيف أن خروجه اليوم بسيارته وحيدا في هذا الليل باحثا عن حل، هو بمثابة الخروج الأخير لنهايته علي يد أفكاره الملوثة التي تصب في هذا المصرف اللعين. تمني لو كان قد سمع نداء من نصحوه ولكن الأوان قد فات.

وهو وسط كل هذه الأفكار التي تعصف بعقله وقلبه دون أن يستطيع أن يفتح فمه ليصرخ خوفاً من ابتلاع المياه الملوثة، سمع حفيف أقدام تقترب من المكان رويدا رويدا. كاد يشهق من الفرحة عندما فتح عينيه بصعوبة بالغة ليري مجموعة من الرجال قادمون نحو جوانب المصرف وهم يرفعون أصواتهم بنشيد الهمة والعزم والتوكل علي الله. حبس شهقته حتى لا تتسرب المياه الملوثة إلى فمه وجوفه وتمني لو يسمعوا أنين حنجرته.

وقف الرجال في حلقة كبيرة على شاطئ المصرف ووسطهم رئيسهم يوزع عليهم أعمالهم. وبعد دقائق انفضت الحلقة وانتشر الرجال في الموقع كل في مكانه لبدأوا أول يوم في عملية تبطين المصرف بالحجارة البيضاء بعد تعطيلها من شهور عديدة. وفجأة علا صياح الرجال عندما رأوا رأساً بارزة من سطح مياه لشخص في طريقه للغرق. جري الجميع ومعهم رئيسهم نحو تلك الرأس الغارقة وسط مياه الصرف القاتلة. وبدون تفكير نزل الرجال الي عمق المصرف متمسكين بحبل غليظ وبقارب صغير كان معهم لزوم نقل الحجارة من مكان لآخر. وما أن أمسكوا برأسه حتى حمدوا الله أن أول يوم في عملهم بدأ بإنقاذ حياة من الموت. هلل الرجال وحملوا الرجل المتهالك من الماء النتن نحو الشاطئ. ألقوه على الحجارة البيضاء وبدأوا في إسعافه وهم لا يعرفونه وهو يعرف رئيسهم ولكنه غير قادر علي الحديث معهم، ولكن جوفه ملآن بشكر الله علي إرساله هؤلاء الملائكة بدلا من ملاك الموت.

وما أن نظر رئيسهم في العمل إلى وجه الرجل حتى تعرف عليه ولكنه حبسها في نفسه حتى حين. وما أن فتح الرجل المهم صاحب المصنع عينيه وفمه حتى تعرف على رئيسهم في العمل فقد كانا دائما كالقط والفأر. وها قد أصبح القط أسداً والفأر في المصيدة. تبادلوا النظرات العميقة لتوان معدودة قبل أن يبدأ الرجل في النداء على رجاله بعمل اللازم نحو إنقاذ الغريق وإنقاذ سيارته دون أن يفصح ما بداخله. نظر الغريق بعين على المصرف اللعين وبعين أخري على الحجارة البيضاء. وفجأة استعاد قواه الخفية ونهض ليمسك بأول حجر أبيض ويحمله بين يديه ليضع حجر الأساس في تبطين المصرف. قضي بقية اليوم وسط العمال في تبطين أول جزء من المصرف.

وبانتهاء اليوم نظر الغريق صاحب المصنع إلى العمال نظرة لم يفهمها إلا رئيسهم، نظرة توبة وخجل وأسف من الماضي وهو ينظر على الحجارة البيضاء التي شهدت ميلاده الجديد. نظر على الشاطئ ليجد سيارته السوداء محملة على ونش الإنقاذ وهي تنظر اليه بعيونها الغاضبة تناشده أن يأخذ عبرة من هذا الدرس القاسي بعد أن غرقا سويا علي يد مياهه الملوثة.

نظر إلى سيارته بخجل ووعدها بأن يكون رجلا لون عقله وقلبه بلون الحجارة البيضاء، وعلي وعد بأن يغير لون سيارته هي الأخرى إلى اللون الأبيض.

انتهت

خالص تحياتي
د. محمد لبيب سالم
روائي وعضو اتحاد كتاب مصر