متى يقال عالم رباني؟

متى يربي نفسه بالعلم وله يخشع وإليه يتذلل ثم يربي به غيره ويدفعه إليه وينهله منه ويربيه كما تربى، أهكذا هو؟!

إي والله هم؛ هم من لا يغترون بالعلم الذي بين أيديهم ولا تغرهم الكثرة في شيء، ولا يرضيهم أن يكونوا مشهورين في الأرض مغمورين في السماء ، لا يسعون لشيء من الدنيا، ولا يصيبهم سفه أكثر أهلها، يعلمون لعالمهم حقه ويتأدبون في حضرته أو عند لفظ اسمه مزينًا بما يتزين به أهل الفضل من الألقاب العلية التى لا تكاد تنال إلا بالبذل في سبيل العلم لا شيء غيره.

يشغلهم حال الأمة، ولا يشغلهم أقاويل أهل سفاهة، بل ربما تجدهم منبوذين لدى أقوام كثيرين ولما ترى حجتهم في ذلك تجدها واهية مثلهم، فيقولون: "نعم، فلان متشدد" فأقول كما قالوا: وما عرفتموه متشددًا إلا لإلفكم الميوعة!

..

حجته: قال الله، قال رسوله، قال سلفنا الصالح

يمرر النصوص كما هي، يدرك المعنى الخفي فيظهره ويرى الظاهر فيقرره وهو في ذلك متقيد بأصول تحفظ له اتباعه فلا توقعه في مخالفة تشذ به عن معتقد أهله، فإنما الأمر اتباع وليس تقييد أو تشديد، يضع الرفق في موضعه والشدة في موضعها، يراعي المصالح والمفاسد فيما تراعى فيه، يقرأ ويفلس ويدقق ويحقق وينقح لأجل أن يخرج للأمة بنور خالصٍ صافٍ بلا إشكال ولا تيه.

يبذل ما يبذل خالصًا لوجه الله وحده، لا يبغي شيئاً سواه، يروم أجرًا منه لا من غيره سبحانه، يتكفف العيش ولا يمنعه أن يتصدق ولو بيسير.

تعرف فيه سمت أهل العلم، ترى له هيبة ووقار، تأنس بالجلوس بين يديه في حلقة أو بين أشرطته، يعرف كيف يدلك لأركان العبادة الثلاثة: الحب والخوف والرجاء، يوازن بينها في قوله وفعله، متوسط لا غلو ولا جفاء..

يدعو إلى التوحيد أينما يدعو، به يبدأ وإليه ينتهي، يعرف آفة الأمة فيحذر من الوقوع فيها، لا يفوته شيء فيه مصلحتها وإنما يؤجله بحكمة ويتكلم فيه بحكمة، لايفيض ما في جعبته ويمضي! بل يعطي على قدر الحاجة وعلى مقتضى حكمة فهمتها او لم تفهمها.. لا تغلبه حميته ولا يدخر علمًا ولا نصحًا يعلم أن أمته بحاجة إليه، يتخلق بخلق القرآن؛ "يجعل القرآن دليله إلى كل خير، ورائده إلى كل خلق حسن جميل، حافظًا لجميع جوارحه عما نهى الله عنه، إن مشى مشى بعلم، وإن قعد قعد بعلم، وإن تكلم تكلم بعلم، وإن أكل أكل بعلم، يتصفح القرآن ويقرؤه ليؤدب نفسه، وليهذب به سلوكه وليزين به عمله، وليقوي به إيمانه" <¹>

يعرف لأولي الأمر فضلهم ومكانتهم ويدعو لهم فبهم صلاح الأمة، ويناصحهم سرًا وله في ذلك قدوة وأسوة، ولا يتكلم بما يوغل الصدور عليهم أو يذكر مساوئهم علنًا فيحرض الناس عليهم، ويعرف مساوئ الأمور ومحاسنها فيقدم ويؤخر بحسبها.

وإنما هي مقاييس بين الأصل والفرع، قد يقصر في الفروع منها عن غير عمد فلا تتركهم لأجلها وسدد وقارب، فإن وجدتهم فالزمهم ولا تفرط في خير تسمعه منهم.

..وما وفيت في ذكر محاسنهم ولكن فيهم تراها وبهم تعرفها، فلا تأخذن عن كل أحد، فالمتكلمون كثير ولكن أهل الاستقامة قليلون فاعرفهم ثم خذ عنهم تفلح. 

__

<¹> ذكره الآجري في "أخلاق حملة القرآن".