في الليل حين تطلى السماء باللون الأسود وتغمرها النجوم كعقد ماسيّ في عنق الأميرة .. أذكرك ..

في الصباح عندما تبدأ الحركات الخفيفة كوقع أقدام الكادحين إلى أشغالهم، وزقزقة عصفور مَلُول فوق الشجرة المقابلة لنافذة غرفتي، وهفهفة النسيم في الأجواء .. أذكرك..

في الظهيرة أذكرك ..

وعند الغروب أذكرك..

وفي فنجان قهوتي في المقهى المعتاد أراك في تكهنات القاع وأذكرك..

أذكرك.. وفي أشعاري أكتبك وفي طفولتي التي لم تكن فيها أقابلك .. وفي عيون العاشقين وفي آبار الأمنيات أبصرك ..

في غناء الناي وإيقاع البيانو وانتحاب الكمان .. أستشعرك ..

في كتاب قديم أصفر الأوراق أقرؤك .. وفي زخات العطر المفضل وعقب هطول المطر أتنشقك ..

متغلغل وقاس في غزوك لي .. فلا مهرب ولا أفكار ولا فرار تُراني من حبي سأقتلك ..؟!

وكم من عاشق في الهوى قتيلًا وكم من هوى يحتل الفؤاد ويركلك ..!

هل يطول عمر الفؤاد بالجوى وهل تقترب من النيران ولا .. تحرقك ..!

يخبره لساني رغمًا عني، فيبتسم فيذوب عقلي في تفاصيل الإبتسامة .. وأرتبك فيجود بقبلة على اليد الباردة، ويضع بين خصلات الشعر وردة جورية حمراء، ويقرأ عليّ شعرًا كتبه يضع في آخره نقطة ويعقب بـ"أحبك" فيذوب الجليد كما العقل سابقًا .. وأنسى تلك الغربة ويبتسم ثغري رغمًا عني وتضحك عيناي وكأن الغربة ماضيعت من قلوبنا الأمان يومًا .. وكأنه كان جواري طوال العمر ولم نذق سياط البعد قط . 

كل الثورات التي أقمتها ضد الغربة وتلاشي الوطن من حولي رويدًا رويدًا قد انزاحت عندما فتح شفتاه بأول حرف عقب العتاب .. كيف للوطن أن يخرج عن مفهوم الأرض ويتمحور في إنسان .. يثبت لدينا أن كل قناعاتنا في أن الوطن هو الأرض فقط .. زائلة ..خائبة .