تدور أحداث هذه الحكاية في قرية نائية، يعرف أهلها بعضهم البعض فلا يخفى بها شيئًا.. فترى العشاق مفضوحة حَكاياهم، والمريض تاريخه مع الجميع .. في الأعراس، وفي العزاء .. الكل حاضر.
في آخرها يوجد بستان قرب البحيرة، تستطيع أن تميزه عندما تلمح الشجرة الكبيرة في منتصفه ..ما من عاشقيْن في القرية إلا وقد حفرا اسميهما عليها.. فقد كان لدى أهل القرية معتقد أن من يحفر اسمهما على هذه الشجرة لا يموت حبهما .وسُميت بالشجرة الخالدة.
كانت إيزابيل، تنتظر عند الشجرة، تمسك بحجر تضمه إلى صدرها وهي تنظر إلى السماء التي رسمت فروع الأشجار عليها لوحة بديعة.. قَدّ نسيج تأملها الفتى القادم من خلفها بتسلل كَفيه من الخلف إلى عينيها ..
-كيڤن .. أيها المجنون .
-أعتذر عن التأخر يا أميرتي .

قالها من بين ضحكاته، ثم قفز أمامها ووضع كفيّه على خديها "اليوم سنخلد حبنا" ارتسمت على فمها ابتسامة مفعمة بالفرحة والخجل.
بدأ كيڤن بكتابة اسمها ثم رسم قلبًا ليكتب اسمه فاستوقفه صوت لهاث مختلط بحشرجة
"الن ج.. دة "
ركضا باتجاه الصوت، فإذا برجل ممزق الملابس نصفه داخل البحيرة، والآخر على اليابسة ناشبًا أظفاره في الأرض.
" أليس هذا هو دِين الحطّاب الذي اختفى منذ يومين ! " قالت إيزابيل.
فركض كيڤن تجاهه وأمسك بيده حتى أخرجه، ولكنه ما إن خرج حتى فقد وعيه. حمله كيڤن، وأثناء مرورهم نظر الناس وبدأت همهمات التساؤل .. حتى وصلوا إلى بيت عمدة القرية وضعوا الرجل وزملوه، كان جسده شاحبًا ومليئًا بالجراح .. الكل ينتظر نهوضه حتى يعلم أين كان، وماذا حدث .
بعد ساعات خرج طبيب القرية معلنًا أن الرجل قد استيقظ ولكنه يعاني من بعض الهلوسة، خرج الرجل متحاملًا على عكاز عتيق، ثم خاطب الجميع
"يجب عليكم أن تحذروا .. إنه قادم إلى هنا، سيحل بقدومه الدمار"
بدأت ملامح الخوف تتضح على وجوه الناس، وتساءل البعض عمن يتحدث فتابع..
"البُعبُع .. قد يبدو كلامي سخيفًا، قد تتجسد الآن أمامكم حكايا البعبع التي أخفتم بها صغاركم ليخلدوا إلى النوم، قد تلمحون طيف الجنون يلوح في مقلتيّ .. ولكنها الحقيقة .. لقد رأيته بأم عيني حينما كنت عائدًا بالحطب من الغابة .. يشبه جسد إنسان أما الوجه فمريع، له أنياب بدايتها صفار باهت ونهايتها بياض لامع، له مخالب يحاوطها الشعر، وعينان شديدتا السواد ولا بياض فيهما .. انقض عليّ .."
قاطعه أحد الناس متهكمًا "يبدو أن دين العجوز أصيب بالحمى أو الخرف .. ماهذه التراهات ! بُعبع ! "
فأيده الناس بضحكات انفجرت بعد الصمت الذي جثم عليهم أثناء سماعهم
صرخ دين 

"أيها الحمقى .. إنه قادم، ليس وحيدًا فلديه عشيرة، لقد هربت منه بعدما كاد يفتك بي، انظروا هذه آثار مخالبه"

وكشف عن كتفه الأيسر فكانت هنالك خربشات قاسية.

قال أحد الواقفين

"وما أدرانا انك صادق؟ ..ربما هي لذئب أو دب "

ثم بدأوا بالإنحسار من المشهد واحدًا تلو الآخر، وبائت محاولات دين بالصراخ وتحذيرهم، بالفشل .

بينما كان كيڤن يحك رأسه في عدم استيعاب لمح إيزابيل وهي تناديه بعينيها، فذهب إليها دون أن يلحظه أحد.

-كيڤن هل ما يقوله هذا العجوز صحيح ؟

-لا أعلم يا إيزي .. ولكن ماذا لو كان صحيحًا !
-لنهرب .
-إيزي ..ماذا تقولين ! أين نهرب ؟
-إلى أي مكان .. سأحاول أن أقنع أخوتي وأمي ليهربوا معنا.

قبّل كيڤن رأسها، وعانقها حتى هدأت ارتجافاتها فقد كانت خائفة حقًا، وربما كانت هي الوحيدة التي صدقت ما رواه دين ..فحاول تهدئتها قائلًا

"لا تقلقي حبيبتي، أنا 

هنا، لا يستطيع أحدٌ أن يمسّك بسوء، وربما أصاب هذا العجوز الخرف وظن الذئب بعبع، من حسن حظه أنه مازال حيًا"

عند شروق الشمس كانت كل القرية ماتزال نائمة، خرج دين وهو يصرخ عاليًا

"استيقظوا .. إنه قادم ستموتون أيها الحمقى"

خرج بعض الناس من النوافذ وبصمات النعاس على وجوههم ..

"اصمت أيها المجنون .. هل توقظنا بسبب خرافاتك"

البعض انهال عليه بالسباب والبعض رماه بالحجارة والطعام الفاسد، كأنه مهرج بائس.

سقط دين أرضًا وهو ملطخٌ بآثار الطعام وبعض الدماء الناتجة عن جراح الحجارة، صُفعت النوافذ وعاد الجميع للنوم بينما تحامل دين على نفسه، وساعده كيڤن، فنظر إليه نظرة تَعسة محملة بالخيبة وشُح الحيلة

-هل تصدقني يا فتى ؟ 

-لماذا ترغب في أن نصدقك إلى هذا الحد ؟
-ألا يخاف الإنسان على من عاش معهم ؟ .. ما بالهم لا يصدقون رجل نام واستيقظ معهم؟
-أنت تطلب منهم أن يتركوا منازلهم وحياتهم مستندين إلى جراح على جسدك.
-سيأتي قريبًا .. لم يبقَ في عمري الكثير، سأبقى في منزلي ولن أخرج منه ليأتي ويأخذني فلن أموت وحيدًا على كل حال .. سيموت هؤلاء الحمقى معي.

ثم نزع ذراعه من يد كيڤن وسار متثاقلًا إلى بيته.

شعر كيڤن للحظة أنه ربما يكون صادقًا، ولكنه سرعان ما نَفض الافكار عن رأسه وذهب ليقابل محبوبته في البستان .

كانت إيزابيل جالسة القرفصاء تحت الشجرة، فتسلل بهدوء وجلس جوارها، لم تشعر بوجوده فقد كان الشرود ساطٍ على تفكيرها، أخذ شهيقًا عميقًا وزفره، فنظرت إليه ..


-منذ متى وأنت هنا
-منذ أن انسلخت هذه الخصلة الذهبية عن باقي شعرك لتعانق حرية مراقصة الهواء.

ضحكت إيزابيل

"يالك من ثَرثار .."

مدّ ذراعه لها فأخذت مكانها من جسده، تكومت تحت ذراعه واستقرت رأسها على كتفه. لحظات من الهدوء وسط عزف الطبيعة لسيمفونية حفيف الأشجار الممتزج بزقزقة العصافير، وجريان الماء الرقيق.

- ماذا سنفعل..؟

-دعكِ من هذا الأمر .. انظري لم يحدث شيء.
-أنا خائفة.. لا أعرف لِمَ أصدق دين  !
-كان بداخلي شيء يحاول تصديقه ولكن لم يحدث شيء اليوم .
-مازال اليوم في أوله يا عزيزي.. لا أعلم ما هذه القسوة التي تعامل بها الناس معه.
-إنه الروتين مع التجرد ..روتين القرية لم يتغير منذ عقود، والآن جاء دين ليخبرهم بجنون ما، إنهم يرفضون تصديقه، ولا أحد معه .. أعزل في مواجهة جيش ساخر، لا عجب أن تتحول سخريتهم لقسوة بدافع اللهو .
-هذا فظيع ..

ضمها إليه، فساد الصمت وكانت خاتمة الحديث.

مرت عدة أيام عادت القرية إلى روتينها، لم يظهر دين في الشوارع.. قال جيرانه أن أضواء منزله لم تفتح منذ ذلك اليوم ولا النوافذ، فقرروا كسر بابه عندما لم يُجب . وكانت المفاجأة .

دين لم يكن موجودًا، في إحدى الغرف آثار دماء مسحوبة، تنتهي عند حفرة عميقة وكبيرة في الأرض، وعلى الجدار كُتِب بالدم

"البعبع .. قادم"

انتشر الخبر في أرجاء القرية كالنار في الهشيم، هرعت إيزابيل لكيڤن الذي كان يحرث في أحد الحقول..

-هل سمعت ما حل بدين ؟

-ماذا حل به؟

أخذته إلى بيت دين، ليرى ماحدث .. بدأت ترتجف وتبكي بعد خروجهما..

-لنذهب .. أرجوك .. لا أستطيع العيش مع هذا الخوف.. إنه يلتهم داخلي ببطء.

-حبيبتي اهدئي .. إلى أين سنذهب ونترك كل شيء.
-رفض إخوتي وأمي القدوم معي، تعال أنت .. لنهرب من هنا، لنتزوج ونؤسس حياة أخرى بعيدًا
-ربما دين يفتعل كل هذا يا إيزي، ربما قد جُن .
-فهمت .. لا تريد المجيء معي، حسنًا .

دفعته إيزابيل وذهبت باكية إلى منزلها

ثم كتبت رسالة إليه عندما حلّ الليل تخبره فيها أنه ستترك القرية وحدها عند الفجر، وختمتها بقبلة . ثم أرسلتها مع أحد إخوتها.

عند الفجر حملت إيزابيل حقيبتها، وبعض الطعام، قبّلت إخوتها .. ثم ذهبت باتجاه البستان لتكمل حفر اسم كيڤن على الشجرة ليُخلد حبهما.. ضمت الحجر إلى صدرها ونظرت إلى السماء متمنية ظهور كيڤن كما اعتادت.

أتاها صوته راكضًا من بعيد، تهللت أساريرها وضحك قلبها قبل ثغرها، ثم ركضت نحوه فتعانقا بقوة، كما يلتحم الجيشان في بداية المعركة .

-كنتُ أعلم انك ستأتي.

-كيف أكون هنا دونكِ، هل يبقى المرء حيًا بعد رحيل الروح!

بعد مشاعر صاخبة صامتة، قطعتها بصوتها الفرح.

-إلى أين سنذهب؟

-سنسير .. إلى حيث تقودنا الاقدام.

تعانق كفيهما، وسارا بلا وجهة حاملان الحب ولا شيء آخر.

مَرّ أسبوعان على ذهاب إيزابيل وكيڤن، بحث أهل القرية عنهما بلا فائدة. كانا قد وصلا إلى إحدى القرى التي تبعد عن قريتهما مسافة يومين، عقدا قرانهما وعاشا بمزرعة أحد الأشخاص، كيڤن يعمل في زراعة الأرض وهي تنتظره في ملحق المزرعة -الذي صار بيتهما- حتى يعود.

كانت إيزابيل تعد طعام الغداء حتى عودة كيڤن ولكنها فوجئت به فزعًا يلهث كجروٍ عطش ..بعدما هدأت أنفاسه سألته

-ماذا هناك ؟

-كان الفلاحين يتحدثون عن قريتنا، أن كل من فيها قد مات.

تجمدت إيزابيل وارتعشت أوصالها

"ك ..كيڤن .. علينا العودة، أمي وأخوت.. ي، ه..ن..اك"

أدرك كيڤن أنها أصيبت بصدمة فحاول احتوائها، عانقها وشدّ على يدها

"ربما أخطأ الفلاحون عزيزتي، لابد أنهم بخير، سنغادر عند الفجر"

مرّ يومان ونصف في طريقهما، ووصلا أخيرًا إلى القرية..

كانت القرية خاوية على عروشها، والمنازل بعضها محترق، السوق مهدم، الأرض مليئة بالمسامير والأخشاب اليابسة والثمار الفاسدة، وآثار سوائل مسكوبة، وأقمشة ممزقة ..

كل شيء يشير إلى أنه مرت من هنا كارثة.

"هل يسمعني أحد.."

صرخ كيڤن ..ولكن أحدًا لم يجيب.

ذهبا إلى دور العبادة فإذا بها محطمة من الداخل، صرخت إيزابيل

"يا إلهي ماذا حدث هنا"

سمعا صوت خربشة من الأسفل، أرجع كيڤن إيزابيل إلى الخلف وبحث بين الحطام، فوجد في الجدار، خلف الستار مُربع في أسفله حامل يكاد لا يُرى، رفعه فإذا به قبو سرّي،

ظهرت منه امرأة تحمل طفلًا ومعها عدة أطفال آخرين، رأى كيڤن بينهم أخ وأخت إيزابيل.

ركض الصغيران إلى أختهما، اندلع الشوق والبكاء، وما إن هدأت الأمور حتى حكت المرأة ماحدث ودموعها على خديها.. 

"بعد ذهابكما كان كل شيء عاديًا، حتى أربعة أيام ماضية، استيقظنا جميعًا على أصوات الصراخ، هنالك مخلوقات غريبة تعيث فسادًا في القرية، كما وصفها دين تمامًا .. لا أعرف كيف يقتلون الناس ولكن عندما بدأ الهلع هرعت إلى هنا فخبئني الراهب، جاء بعض الأمهات كلهم تركن الصغار وغادروا. لم نخرج منذ ذلك الحين حتى بعدما هدأت الأصوات، لم أقوى على الخروج.. لقد كانت كارثة"

خَرّت إيزابيل باكية، فعانقها كيڤن وأخوتها.

بعد ساعات من البحث لم يجدوا أثرًا، لأحد في القرية حملوا الهم والحزن في صدورهم، ثم غادروا جميعًا حيث يعيش كيڤن وإيزابيل.

 لم يعرف أحد ماهية البعبع، أو إلى أين ذهب الناس، هل ماتوا؟ أين جثثهم، هل أكلهم ذلك البعبع؟
لا أحد يعلم .. الحب والخوف هما من أنقذا كيڤن وإيزابيل، وكان اسميهما آخر ما حُفر على الشجرة الخالدة.
ربما الذي يعلمونه، هو أن الحب هو الشيء الوحيد الذي نجا من البعبع.