سألني الأصدقاء أن أروي لهم حكاية جديدة تتحدث فيها المشاعر .. فتذكرت حكاية قديمة .. عن أميرة متمردة تورطت في قلب أحدهم ذات يوم ..

تروي نساء الغجر الجالسات في طرقات المدينة للتنجيم أو الرقص أو لبيع بضاعة ما .. عن الأميرة "ليليان" ابنة الملك، والتي يمنعها من الخروج على العامة ويحبسها في جناحها بالقصر  يقال أنه شدة جمالها أو لأمر خفيّ.. "إنها فتاة جميلة، غيداء القوام، بُنية الشعر، واسعة العينين كغزال الريم .. يُقال أن أمها لم تكن ذات أصل نبيل وأنها كانت غجرية مثلنا وقد ورثت ابنتها الشعر الغجري منها .." كان كل من في المملكة لديهم الفضول تجاه تلك الأميرة .. فالمُخبأ دومًا تشرئب الأعناق للتطلع إليه ..

كان صباح يوم عيد وكانت المدينة صاخبة ومزدحمة، ينتشر فيها الغجر برقصاتهم ومسرحياتهم الساخرة، والناس جميعهم بالشارع وبعضهم ينظرون من نوافذ منازلهم ذات الأسقف الهرمية، في هذه الأثناء كان جنود القصر يمرون في شوارع المدينة فارضين سيطرتهم على الناس، بقيادة قائدهم المتباهي "إيڤان ليون" ..

كان إيفان طويل القامة، بارز عضلات الذراعين والصدر .. شعره مابين الأشقر والبني، عيناه داكنتيّ الخُضرة. كان يعلم مدى وسامته فيسير متباهيًا وهو يعلم أن عيون الفتيات مسلطة عليه .. يضع يده اليسرى متخللًا بها شعره، مبتسمًا ابتسامة ساحرة تخطف قلوب الفتيات المترقبات له.

في ذلك الوقت كان الملك يقيم احتفالًا في قصره دعى فيه وزراءه وعائلاتهم .. امتدت مأدبة طويلة فاخرة، ونزل الملك وزوجته بعد انطلاق الأبواق الملكية .. فجلسا وأشار الملك للجميع بالجلوس .. ثم بدأ في خطاب تقليدي عن ازدهار المملكة والحفاظ على سعادتها ورخاءها .. مجولًا نظره بين الجالسين فإذا بكرسي الأميرة فارغ .. أشار بيده لأحد الحراس وهمس في أذنه "أين ليليان ..؟!" تلعثم الحارس ثم ابتلع ريقه قالئلًا "مولاي .. الأميرة ليليان ليست بالقصر .. لقد بحثنا عنها ولم نجدها في أي من الغُرف .." بان الغضب على وجه الملك وقد حاول كَبحه ثم قال من بين أسنانه "أخبر إيڤان حالًا .." .

كانت شوارع المدينة تعج بالإحتفالات والرقصات الثنائية، بينما كان الجنود يستمتعون مع الفتيات الجميلات.. وإيڤان كان يتابع حركة الإحتفال ويعطي الأوامر ويستمتع بشواء قلوب الفتيات اللواتي لا يكترث لهن. فكان يسير بين الناس ممسكًا بخوذته، وسيفه في خصره يرى ما إن كان هنالك سارق أو محتال .. استوقفه ساحر يقوم بإخراج الحمامات من جيب معطفه، ويقوم بخدع بصرية .. ثم قال الساحر "هل تريدون عرضًا مشوقًا ..؟" أجاب الناس بحماس "أجــل" تابع إيڤان ما يفعله الساحر بعدم اكتراث فقط  كان يحاول الاستمتاع .. فقال الساحر "أريد فتاة متطوعة لتدخل هذا الصندوق" وأزال الستار عن صندوق طويل.. فرفعت الفتيات أيديهن واختار واحدة متلهفة .. صعدت فتاة ترتدي طرحة متراخية على رأسها وثوبًا بسيطًا قال الساحر بعض الكلمات ليحمّس الجمهور .. في تلك الأثناء كان أحد الجنود يهمس في أذن إيڤان "الملك يستدعي حضرتكم .. الأميرة ليليان مفقودة .." بدت معالم الإستياء على وجه إيڤان وأشار للجندي أن اترك بعض الجند هنا وأحضر البقية .. بدأ بالتلفت فلمح مصادفة الفتاة التي بجوار الساحر .. وأجفل عينيه مدققًا .. إنها هي الأميرة ليليان .. "انتظر أيها الساحر" صاح إيڤان .. كان الساحر قد أدخل الفتاة إلى الصندوق وأسدل الستار، ونطق ببضع كلمات .. بينما كان إيڤان يتخطى الحشود ليصل إلى المسرح .. وعندما وصل دفع الساحر وفتح الصندوق كان فارغًا .. رفع إيڤان سيفه، ووضعه على رقبة الساحر .. فانطلق الجنود تجاه المسرح .. قال إيڤان بهدوء مصطنع "أين الفتاة" .. قال الساحر مبتلعًا ريقه والسيف متوقف عند تفاحة آدم .. "سأعيدها.. أمهلني دقيقة" .. وقف الساحر وأغلق الصندوق وقال كلماته ثم فتح الصندق فظهرت الفتاة .. وكانت مبتهجة ضاحكة وما إن رأت إيڤان أمام الصندوق حتى تلاشت معالم البهجة تدريجيًا "إيڤان ..! ما الذي أتى بك ..!! "

اقترب إيڤان منها وقال بصوت خفيض "أيتها الأميرة عليكِ العودة معي إلى القصر.. الملك أمر بالبحث عنك"

قالت وهي تمُر متجاهلة "أخبره أنني في الإحتفال" .. ثم نزلت من على المسرح وشقت طريقها وسط الناس، فركض إيڤان وراءها وأمسك ذراعها "عذرًا يا أميرة .. ولكنها أوامر الملك .." فدفعت يده صارخة "دعني وشأني .. ساعدوني" .. تلفت الناس وزمجر البعض غاضبين على قائد االجنود الذي يظنونه يستخدم سلطته على فتاة من العامة فترك يدها، اقتربت منه هامسةً "اتركني لنهاية الإحتفال وسأعود إلى القصر وحدي .. وإلا سيعلم الناس من أكون ويغضب الملك عليك ولربما قتلك " لم يجد سوى أن يعقد معها اتفاقًا ..

- سأدعكِ تكملين الإحتفال..

- تفكير جيد قائد إيڤان ..

-ولكن شرط بقائي معكِ..

- كفوا عن معاملتي كطفلة..

-هذا لأمانك فقط .. وحتى لا يغضب الملك أكثر..

-سيغضب في كل الأحوال .. فأسيرته قد هربت من زنزانتها كيف لا يغضب ..!

قالتها بتهكم واضح ومسحة حزن تكسو وجهها..

أوصل أحد الجنود خبر بقاء الأميرة وجوارها القائد إيڤان كي لا تتعقد الأمور . غضب الملك وأمر الجندي أن يعود لإيڤان بأمر إحضار الأميرة بالقوة.

كانت الأميرة تتقافز في ساحات المدينة كخيل أطلق له العنان .. ثم توقفت عند إحدى الراقصات الغجريات وكان ورائها قارع طبول محترف بين إيقاع طبلته وخصرها تناغم خطف الأبصار، تنبّه إيڤان وقد لفتت انتباهه الغجرية الراقصة فنظرت له الأميرة بمكر "هييي أيها القائد .. أتروق لك الغجريات"

فضحك نصف ضحكة تغمرها الثقة "بل أنا من يروقهن.." ضحكت الأميرة بصخب "إيڤان .. أنت حقًا أحمق" .. انتابته صدمة لحظية ثم رد عليها بأن مرت غجرية من أمامه فتعمد مد يده وكأنما يتحسس سيفه فاصطدمت بها الفتاة، لفّت وجهها وعليه بعض من علامات الإستياء فما إن نظرت إليه حتى لانت قسمات وجهها، فوضع إيڤان يسراه خلف ظهره وأمسك يدها وقبلها، منحنيًا انحناءة خفيفة .."عذرًا سيدتي" فاحمرت وجنتا الفتاة وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة ثم التفتت مغادرة وهي تتلفت إلى الوراء .. نظر إيڤان إلى الأميرة بصدر منتفخ من الغرور "أرأيتِ..؟" ضحكت الأميرة مرة أخرى "إيڤان .. لا تُحاول إنهن حمقاوات أكثر منك" .. شعر إيڤان بالغيظ ولكنه حدث نفسه -هل تنتظر أن تعجب بك الأميرة مثلًا أيها الأحمق ..!-

كانت الأميرة كثيرة التنقل في الإحتفال، فلم يستطع الجندي الذي أرسله الملك أن يصل إليهما. وبعد انتهاء الإحتفال اصطحب الأميرة إلى القصر على الحصان وهو ماشيًا إلى جوارها، كانت الأميرة لا تكف عن الثرثرة وإيڤان يرد باقتضاب شديد ..

                                                                                    -حتى قبّلت النارفتيل الحكاية-

قرصت نحلة الحصان فصهل وارتفع إلى الأعلى على قدمين ثم انطلق راكضًا بجنون، كانت الأميرة تصرخ وإيڤان يركض خلف الحصان الثائر حتى أفلتت الأميرة اللجام ووقعت أرضًا وصدمت رأسها بحجر أفقدها الوعي.

انتاب إيڤان التوتر وتقلبت معدته، ماذا سيفعل الأميرة التي في أمانته فقدت وعيها، حملها إيفان على ظهره حتى وصلا إلى القصر. كان الملك قد جُن جنونه بتأخر ابنته وعندما وصل إيفان بها جريحة.. أمر الملك بإلقاء قائد الجنود في الزنزانة.
مكث إيفان ليلتان في الزنزانة جريح الكبرياء.. كيف للملك أن يلقيه في الزنزانة كما المجرمين بدون سماعه وهو الذي خدمه وخدم المملكة لأعوام.. أفاقت الأميرة في الليلة التالية لفقدها الوعي، وقد علمت بعدها بيوم أن إيفان ألقي في الزنزانة فذهبت لزيارته وقد شابها الندم..
-أيها القائد إيفان
-قام إيفان مُحييًا إياها بانحناءة خفيفة-
-علمتُ لتوي أن أبي سجنك
-نحن في خدمة الملك
-سأتحدث معه ليخرجك
-وخزه كبرياءه فرفع رأسه شامخًا-
-إن لم يشفع لي سجل خدماتي، فلن أسَر بشفاعة أميرة
صدمت الأميرة من ردّه واستيقظ فيها عفريت العِناد، فنظرت باستعلاء ثم غادرت صامتة.
مر يومان آخران وإيفان ملقى بالزنزانة، وليليان ترفض مساعدته مُعاندة، حتى أمر الملك به .. علمت ليليان فذهبت راكضة إلى غرفة الحكم كان الملك يستجوبه وإيفان يقف شامخًا..
-لِمَ لم تجلب الأميرة فور أمري؟
-رفضت الأميرة المجيء فبقيت لحراستها
-كان أمري أن تجلبها لا أن تحرسها
-لم أرَ أنه من الائق احضار الأميرة قسرًا كالفارين من القانون
-إذًا فقد عصيت الأوامر، وفوق كل هذا لم تحافظ عليها فقد عادت مصابة
-لقد فعلت مابوسعي مولاي ..

قاطعت الأميرة حديثهما "لا علاقة له بالأمر .. أنا من رفضت المجيء، وأيضًا أنا من سقطت عن الحصان"
ثار الملك ووقف طارقًا صولجانه على الأرض "صه.. كيف تدخلين إلى ساحة الحكم أثناء الاستجواب ..!"
وقفت الأميرة متحدية "كيف لك أن تحاكم قائد جنودك بتهمة اللاشيء..!" ..

"خدو الأميرة إلى غرفتها" –صاح الملك-
سحبت الأميرة سيف أحد الحراس...

https://www.rqiim.com/rababashraf/الشهيق-الأول-والعناق-الأخير-الجزء-الثاني