ثمة علاقة وطيدة بين واقع الكاتب وخياله وقلمه ..

فعندما يكون الواقع جميلًا ملونًا باللون الوردي الفاتح، ستُزهر كلمات الكاتب، سيلمح القاريء تلك الفراشات التي تنام بخِفة بين الكلمات وسيتلون خياله بلون الربيع كما هو واقع الكاتب . وعندما يكون واقع الكاتب غائمًا فإن قلمه تلقائيًا سيميل نحو الرمادية، وإن حاول التجمل ستفضح روح الكلمة كاتبها لدى القاريء فيشعر القاريء بشيء من الكآبة يجتاحه أثناء قراءة النص رغم أن النص قد لا يكون كئيبًا، ولكنها روح الكاتب القابعة بين كلماته.

قد يكتب أحدهم عن الحب وهو الذي لم يذقه يومًا، الحب تحديدًا نستطيع الكتابة عنه بشغفٍ كبير عندما يتولى الخيال مهمة المايسترو في قيادة سيمفونية المشاعر الجارفة التي تجتاح الكلمات، حد أن يقشعر بدن القاريء .. ولكن إذا كتب عاشق عن الحب يبدأ الخيال بالتراخي، ترى كتاباته قبل وبعد وقوعه في الحب تشعر أن هنالك تبادل أدوار غير منطقي، وهنا تكمن الخدعة .. الحب الذي داعبه الخيال كان جميل المنظر في الكلمات، خفيف الوقع لذيذ الشعور في نفس القاريء .. حد أن يقفز قلبه حماسًا لتجربة ذلك الشعور .. هذا إبداع الخيال أما تدخل الواقع في المشاعر فيعد تجريدًا للجمال من كل تفاصيله، يعد اقتحامًا وشعوذة وهجوم .. يكتب العاشق عن الحب فتعجز كلماته عن الوصف .. فترى الكلمات قصيرة مقتضبة، وتجد لها وقعًا واقعيًا يتقبله العقل، ولا يرضي الخيال.

الكُتاب عمومًا هم قراصنة النفوس فهم قادرون على اقتحام النفوس من خلال كلماتهم .. ببضعة كلمات يستطيعون تغيير المزاج من سيء لجيد، ومن سيء لأسوأ ومن أبيض لأسود، ومن أسود لرمادي، ومن رمادي لوردي! ..

ولكن للكتابة جانب مظلم فهي مفتاح سفر للقاريء ومفتاح قبر للكاتب .. يكتب الكاتب فيقرأ القاريء ويسافر بالكلمات.

أما الكاتب الذي يتألم فهو ينزف بقلمه وقريحته.. تذكره الكتابة بأدق تفاصيل وجعه، يكتب باستمرار حتى يتوقف ويزفر زفرة الخلاص، هاقد بث كل مافي جعبته على الورق ولكن تلك الكتابات كلما قرأها ستخِز موضع الألم في روحه، ستحوم غيوم الكلمات حوله وتخنقه .. أما القاريء سيعيش حالة لحظية من الوجع يقشعر فيها بدنه، ويطرب وجدانه بموسيقى الكلمات ثم ينسى بعدها.

والكاتب الذي لم يذق الألم لا تجد الشجن الذي يطرب القلب في سطوره، فللحزن على الكلمات وقع أنيق ووقور ومؤذٍ حد النشوة .

دائمًا ما يكون الخيال أجمل وأرقى، ولكن للواقع على الكتابة مسحة كآبة تطفي عليه وقارًا، كغجرية جميلة تحمل في أعماق روحها حزن يغطيه جمالها، وتفضحه رقصة جريحة .