كما أرى دائمًا أن "الحفرة" ليس مجرد مسلسل، ولا يشبه في تركيبته وأحداثه ما عهدناه من المسلسلات التركية، فإن كل شخصية في المسلسل يظهر فيها المخرج الجانب المُعاني أكثر من الجانب الطبيعي ..ويحاكي بها معاناة ببعض الأشخاص كي يستطيع لمس الواقع.

 الحلقة الرابعة عشر من الموسم الرابع  والأخير هي حلقة وداع أعقد شخصية في المسلسل .. "سليم كوشوفالي" .. سليم الإبن الأوسط لإدريس كوشوفالي زعيم حي الحفرة وتاجر السلاح الشهير، عاش سليم -الذي لا يشبه إخوته- معاناته مع أب يود أن يراه مثل إخوته وأم تنبذه وتؤنبه لضعفه الجسدي والنفسي .. ترعرع مع إحساس النبذ والكره ممن حوله لشيء لا دخل له فيه وهو شخصيته وسجيته .. لا يستطيع أن يكون بجنون جومالي وإقدامه .. ولا يستطيع أن يكون بحكمة كهرمان وقوته. عاش دائمًا مع عقدة قصور في كل جوانب شخصيته وصراع أنهكهُ فخلق منه شخصًا ناقمًا كارهًا لكل شيء حوله، زوجوه قسرًا بفتاة اختارتها أمه كي ينجب ولي عهد للعائلة، كان يرى أنه لا يصلح أن يكون أبًا أو زوجًا. ولم تترك له الحياة خيارًا ليثق بأحد حتى الفتاة التي تزوجها خانته مع أخوه، لم يواجهها ولم يواجه أخوه .. استمر بنبذها ونفيها نفسيًا .. وعندما أتى ابنه كرهه ولم يرغب بضمه ولو مرة واحدة، لأنه كان يدرك جيدًا أن هذا الفتى ليس ابنه لكن لم تكن له القوة على الصراخ والتصريح بهذا .. لم تكن له القدرة على المواجهة، فقط أضافت تلك الطعنة جرحًا آخر هز كيانه الهزيل .. خرجت توابعها في إظهار نفوره من زوجته وقسوته على ابنه الذي عندما كبر وتم سجنه، لم يزره ولو مرة واحدة .. وسخرية القدر تكمن في أن يعيش ابنه نفس إحساسه وشعوره وقدره .. فعندما كان سليم يكره تصرف والده معه كان ابنه أكين يعاني نفس معاناته معه . وهو محاولة نيل رضا الأب وتسول الحب منه ولو خِفية.

سليم الذي حفر أفراد عائلته داخله خندقًا لم يقوَ شيء على ردمه .. شعر أن الحفرة هي التي أخذت منه جو الأسرة الدافئة التي تمناها، هي التي سلبته عناق الأم الحنون التي كانت أمًا لأبناء الحفرة ولم تكن أمًا له، وظِل الأب الذي يحتمي فيه أولاده. شعر أن أباه فضل الحفرة الذي هو حيّهُ على ابنه الضعيف . فأراد أن يسلبه إياه.. خان أهله وحيّه، وفي مواجهته مع أباه قال بصوت مهتز ملتهب بالحنق والغضب يشوبه رجاء التساؤل

"لماذا لم تحبني يا أبي..؟!"

 وبعد أن أضاع الحفرة ظن أنه سيرتاح فإذا به وحيد في منزله، يبكي ندمًا مشتت بين انتصاره الزائف وبين ضميره وقلبه وبين طفولته التي ضاعت في غياهب المافيا التي لم يردها أبدًا .. فقطع شرايين معصميه واستسلم لأيدي الموت قبل أن ينتشله منها أخوه الأصغر، ليعود بعدما شُفِي نادمًا ينام على باب والده ويتحمل نظراته وإهانته ونبذه مرة أخرى ولكن هذه المرة بنفس راضية .

سليم الذي ظن جميع المشاهدون أنه شاذ جنسيا .. لم يكن كذلك .. فالفتاة الوحيدة التي -وهي زوجته- عرفها خانته مع أخوه كهرمان .. فقتلت آخر أمل للثقة لديه، وعاش زاهدًا في النساء. 

كان عندما يذهب للسُكْر والعزف على البزق بالحانات، عندما يتعرف إليه أحدهم يقول له "اسمي كهرمان" -أخوه الأكبر الأفضل منه في كل شيء المفضل لدى العائلة حتى زوجته فضلته عليه-  ثم يحكي للذي يتعرف عليه قصته كاملة .. وبعد الإنتهاء منها وبعد شرب القدح الأخير، وبعد أن يثق الطرف الآخر فيه ويتأثر بقصته يقوم سليم بقتله .

كان لا يرغب بأن يهابه الناس لأنه كوشوفالي، ولا بأن يكون تاجر سلاح، ولا أن يكون زوج امرأة من اختيار أمه، ولا أب في سن باكر ..ولا وريثًا وقائدًا للحفرة.. كل ما كان يرغب به هو حياة طبيعية هادئة، أن يعزف ويغني كما يحب دون أن ينظر إليه أحد شذرًا كما لو كان يقترف جرمًا فقط لأن ابن إدريس كوشوفالي يجب أن يكون رجلًا قويًا لا يمكن أن يكون رجلًا تافهًا يذهب ليعزف ويغني لتسلية الناس في الحانات .

والحال أن البزق والغناء كانا لحظات السلام النفسي لدى سليم، وكانا ملاذه الوحيد .

حارب سليم نفسه كثيرًا .. محاولًا أن يقطع العقد التي ربطت داخله بقوة . فنرى على مر الأربع مواسم تحولات سليم، محاولته أن يكون ابنًا صالحًا، أبًا يدعم أبناءه، أخًا جيدًا .. تارة ينجح وتارة يخفق .. في الموسم الرابع تغير سليم تغيرات جذرية ولكن بقيت بداخله نقطة ضعف كانت السبب بهلاكه. ألا وهي رغبته في أن يشعر أنه محبوب .. أن يحبوه بالجانب الحقيقي فيه،الجانب الضعيف الذي يحب عزف البزق والغناء والتسكع بلا مسؤولية .. ولا أخطر من عدو يعرف نقاط ضعفك ، استغل عدو العائلة هذه النقطة ووقع سليم في فخ أنه وجد صديقًا يشبهه يستطيع ان يلقي مسؤولياته جانبًا ويجول بلا وجهة ليعزف البزق ويكسب رزقه من شيء يحبه دون أن يضطر على ارتداء قناع لا يشبهه ولكن .. الفخ كان محكمًا واستطاع شاتاي أردينت أن يقتل سليم كوشوفالي .

رحلت أعقد شخصية مرت في المسلسل، شخصية يحبها الجميع بضعفها وذلاتها وجوانبها الطيبة والمعقدة .. رحل الأخ الأقرب لياماش كوشوفالي وأب أكين كوشوفالي .

الموسم الرابع يبدأ الآن .. ياماش سيعود للإنتقام لأجل أحبته، أكين سليم كوشوفالي الفتى الذي اتخذ نهج أبوه والذي عاش نفس معاناته، وحاول أن يتخلص من جوانبه السيئة التي بناها أبوه داخله ومحاولته أن يكون ابنًا وفيًا للعائلة والذي سوى علاقته بسليم حديثًا .. سيتقيأ غضبه على قتلة أبيه .. زلزال أكين كوشوفالي قادم .

اعلان الحلقة القادمة :