سطت عليها كآبة غير معهودة، تلك الكآبة التي تلتهم الروح، وتبث روح اليأس القاحلة في النفس .. ولعلها كانت أقرب لصراع أقطاب مُصغر، كان العقل مُشتت يهيم في تيه لا قاع له وسقف، والروح مُعلقة في مشنقة مُتراخية لا إلى نجاة ولا إلى ممات ..أما القلب فمُهتز كأنما أردَتْهُ صعقة كهرباء غيّرت فيه ملامح البهجة، شاخ وأضحى كعجوز عليل يدخن التبغ، كمن يسن السكين لقاتله ..  

كانت تنغمس بكل كيانها في أنغام الموسيقى كقطعة بسكويت هشة في فنجان من الشاي الساخن .. تارة تلتجيء لسجادة الصلاة تبكي وتضرع، وتارة تحاكي نفسها كمن يحاكي طفل صغير .. تملكتها الحيرة وطغى عليها الهدوء .. تقاتل كي تستعيد الرمق المفقود فيها، فتتزين وتُمثل المرح بصخب، يلحظ عاشق تفاصيلها تلك التشنجات البائسة التي تظهر في فرط ضحكاتها والتي تنم عن خدش ينخر جدار روحها .. ولكنها تُكابر، يتلبسها عِفريت العناد الذي يلازمها منذ الصغر، ترفض هوانها وضعف سريرتها .. تتربص بقوتها التي تخونها وتتركها في مواجهة أعاصير الأفكار والمشاعر التي تعصف بوجدانها .. لا تمتلك رفاهية الفرار فتشعل غليون الخيال وتُحلق به .. 

الخيال في بعض الأحيان يكون  بمثابة آخر طوق نجاة على سفينة حُكِم على كل طاقمها بالموت.

تتخيل أنها في حفلة راقصة ببدايات القرن العشرين، ترتدي ثوبًا أخضر وقبعة واسعة الأفق ذات شريط أبيض لامع كسماء صافية، وأحمر شفاه صارخ الحمرة، تبدأ الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو بتهيأة الأجواء لتبدأ الرقصة فيدعوها أحد الحضور لمشاركته الرقصة فتقبل بانحناءة خفيفة .. تبدأ الرقصة بالتقارب الراقي ثم تحتدم الأجواء الموسيقية فيتباعدا بمسافة يصلها الذراعان ثم يتقاربا ليتابعا الرقصة ثانيةً .. تنتهي الرقصة ثم تخرج لتتنشق هواء الحديقة المليئة بالزهور الفرنسية الرقيقة، ثم تهب نسمة ريح مُعبقة برائحة اليود البحري الممتزجة بتوليفة ساحرة من امتزاج رائحة الزهور ببعضها، تدخل إلى رئتيها في شهيق عميق يطرد كل ما ضاق ووقر بداخلها .. تخلع حذائها وتمر بقدميها على الحشائش المبللة، تغمرها رغبة عارمة في الركض حتى تصل إلى الشجرة البعيدة، تصل إلى الشجرة التي تحمل حفر أسماء عُشاق مروا من هنا .. فتنام تحت الشجرة وتتأمل الصفحة التي أمامها في الأعلى.. بعض الفروع المتعانقة وأوراق الأشجار التي تتمسك بالأغصان حتى الرمق الأخير ومن خلفهم السماء الفسيحة المرصعة بالنجوم المتناثرة، والقمر البهي يغازلها بلمعة خاطفة على سطحه .. 

زفرت بعودتها من رحلة الخيال نفسهًا كان مكتومًا ..طرد من داخلها غبار الهم الذي علق بصدها.. ثم غَفَت كجوادٍ جريح .