للحب أركان إذا اختلت تحطمت غرفة الحب المقدسة، وإذا اكتملت صارت قطعة من الجنة.

في صباح ربيعي تنزل ليلى الفتاة العشرينية الجميلة كغصن مزهر، من منزلها متوجهة إلى آداء اختبارات كلية الطب .. تمشي في الزقاق الموازي لشارعها وقبل أن تصل لآخره تلمحه من بعيد جالس على كرسي وأمامه طاولة مليئة بالكتب فتعبر الشارع وتذهب لتختار كتابًا، وبينما هو غارق بكتاب بيده نظر برهة إليها ثم انتفض واقفًا "مرحبًا" قالها بحلق جاف وعين لامعة، ولم تكترث هي له كثيرًت، سألته عن اسم كتاب فابرها أنه غير موجود ولكنه سيبحث عنه .. فذهبت وتبعها قلبه .

كان وَجْد ينتظر رؤية ليلى كل صباح، لوّعه قلبه بها فكان ينظر إليها بشغف طفل مشرّد ينظر لوطن بعيد .. الفتاة طبيبة وهو لا يملك في حياته سوى الكتب وغرفتين بالدور الأرضي بأحد الأبنية العتيقة .. فكان يمني نفسه بأن تشعر به يومًا وتبادله حتى النظرة .

صال وجال حتى وجد الكتاب.. لم ينم في تلك الليلة كان ينتظر أن يلمح ملامح الفرح على وجهها فيشعر وكأنه قد فعل شيئًا لأجلها في هذه الحياة القاسية على قلبه.

وفي الصباح كان يرقب الزقاق الذي تمر منه حتى ظهرت فهب واقفًا ثم جلس محدثًا نفسه "ماذا تفعل أيها الأحمق" .. رءاها تقترب فوقف ومد الكتاب إليها قائلًا "وجدت الكتاب الذي تبحثين عنه" كانت ملامح الدهشة بادية على وجهها.. وقالت "كيف وجدته.. لقد بحثت عنه كثيرًا..؟!"

دق قلبه محدثًا فوضى عارمة فتلك كانت أول مرة تتحاور ليلاه معه ثم قال متلعثمًا "لقدبحثت عنه ... لأجلك ."

قالت بامتنان "شكرًا لك كم ثمنه؟!"

قال "إنه هدية"

قالت وهي تعيده إليه " آسفة لا أستطيع قبولها"

قال بكسرة عاشق في عينيه وهما تلمعان كالسيف "أرجوكِ" .

لم تكن ليلى لتقبله ولكنها شعرت باضطراب في صدرها فضمت الكتاب وابتسمت ثم رحلت.

قرأت ليلى في الكتاب طوال الليل حتى داهمها النعاس .. كان وجد في هذه الأثناء منشغلًا بإخماد نيران قلبه فلأول مرة تحاور مع الفتاة التي يحلم برؤيتها فقط.. اشتم رائحة دخان فقال لنفسه ممازحًا "لقد خرجت رائحة احتراقك ياوجد " ..

ولكنه سمع في الخارج جلبة كبيرة وأصوات صراخ  مختلطة بنحيب من بينها صوت قائل "حريق .. حريق " شعر وجد بغصة في قلبه  فاندفع إلى الخارج متخطيًا الزقاق الذي يرى فيه ليلى كل صباح ليجد منزلًا يحترق والناس في الشارع بثياب النوم .. حريق هائل التهم المبنى بأكمله وهنالك امرأة على الأرض تصرخ بانتحاب "ليلى.. ليلى في الداخل"

اندفع بلا تفكير متخطيًا ألسنة اللهب فألقى إليه أحدهم من الخارج خوذة كي تساعد في حماية رأسه .. صعد يلهث ويسعل كجروٍ عطِش والدخان يعبق المكان، كان باب الشقة مفتوحًا والحريق يلتهم البيت أما هي فقد كانت في غرفتها والباب مغلق عليها نادى بصوت مرتفع "أين أنتِ ياليلى" سمع سُعالًا فتبع الصوت متخطيًا ألسنة النيران كان باب الغرفة يحترق، أمسك بمنضدة  صغيرة وقال من الخارج "ابتعدي عن الباب" ألقى الطاولة فكُسِر الباب فاندفع إلى الداخل، كانت ليلى تسعل باستمرار وهي ملقاة على الأرض أقصى يمين الغرفة،  ذهب إليها وضع رأسها على ذراعيه واغرورقت عيناه بالدمع فهي مغمضة العينين تسعل سعالًا متقطعًا .. مسح على شعرها بيديه "ليلى .. أفيقي أرجوكِ .. سأخرجكِ" تَلَفت وَجد حوله فوجَدَ زجاجة مياه سكب بعضها في يديه وفرك بهما وجهها ففتحت عينيه .. قالت بصوت مبحوح "أنت..! ما الذي أتى بك إلى هنا .. دعني" فقال "لن أتركك .. لقد جئت لأجلك .. لقد راقبت مرورك من أمامي كثيرًا، ولم أحلم بأن أقترب منك إلى هذا الحد.. سنخرج من هنا أعدك"

وضع الخوذة فوق رأسها لتحميها، كانت غير قادرة على السير فحملها على ظهره .. خرج من الغرفة حاملًا إياها تخطى النيران حتى استطاع الخروج من الشقة، كان الوهن قد بدأ يصيبه فقد استنشق دخانًا كثيرًا، تحامل على نفسه وبدأ بنزول السلالم .. وهي فاقدة الوعي فوق ظهره وبينما هو يمر نزولًا من طابق لآخر كادت تسقط أخشاب مشتعلة من نافذة السلم على ليلى المعلقة بظهره ولكنه ألقى بليلى إلى الأرض وصنع من نفسه درعًا لها .

https://www.rqiim.com/rababashraf/فتيل-البداية-الجزء-الثاني