بعد أيامٍ استيقظ وجد بالمشفى وبجانبه كانت تغفو ليلى على كرسي ، حاول الإعتدال جالسًا ولكنه أحس بألمٍ بليغ في ظهره تأوه كاتمًا فاستيقظت ليلى ومالت بناظريها إليه، وهبت راكضة لتنادي الطبيب .. جاء الطبيب وسأله:

-كيف تشعر؟

- هنالك ألم مائع في ظهري ..

-غيره؟

-لِمَ هذا الضماد على وجهي؟

-عندما سقطت سقط فوقك خشب يحترق فأصيب ظهرك بحرق وكذلك رقبتك وجزء من وجهك للأسف .

ساد صمت في الغرفة لم يكن ساكنًا كأي صمت، كانت في طياته هجمات وكأنما هنالك قارع طبول شرس يمر في تلك اللحظة .. نظر وجد إلى ليلى فوجدها تبكي دموعًا خرساء، قالت من بين دموعها

"لقد حدث ذلك بسببي ..لقد أفقت لوهلة وجدتك ملقىً فوقي والخشب ملقى فوق ظهرك،حاولت النهوض بك ولكن عبثًا.. ثم رأيت رجال الإطفاء فاستسلمت للإغماء ..آسفة" ثم أجهشت بالبكاء .

نظر وجد إليها وقد رأى انهيارها الداخلي .. فقال "ليلى.. لا تبكِ " ثم وجه كلامه للطبيب "مامدى خطورة حروقي؟! "

قال الطبيب بأسف "حروق الظهر والرقبة بليغة ستترك أثرًا دائمًا .. أما ما أصاب الوجه فلا أستطيع القول قبل التأكد"

حدث وجد نفسه "ذهبت لتنقذها فشُوِهت .. هل ستنظر تلك الفتاة لوجهك بعد نزع الضماد .. لقد أصبحت مشوهًا أيها الاحمق"

مرت الأيام ووجد حبيس المشفى، يتلقى العلاج ،وليلى تمر يوميًا للجلوس معه، كان هذا هو الشيء الوحيد الذي يهون قسوة آلامه .. كانت تأتي وتقص عليه الروايات التي تقرأها، وتتناقش معه في الفلسفة والتاريخ، يمدح شخصية هتلر وتنعته هي بالقاسي، يعجبه كثيرًا جنون قيس ابن الملوح وتصف هي أشعار قيس بالمبالغة .. يحكي كلاهما عن انهيار الدولة العثمانية كل بطريقته ..يتحدثا في كل الأمور ويتناقشا بلا ملل كصديقين منذ الطفولة.

حتى جاء اليوم الذي يتم فيه إزالة ضماداته .. كانت ترغب بأن تكون معه حين ينزعوا عنه الضمادات ولكنه أبى بإصرار شديد. بدأ الطبيب بنزع ضماداته ووضعت الممرضة مرآة أمامه فظهر وجهه وبانت رقبته كان الجزء الأيسر مع الخلف من رقبته محترق والجزء الأسفل من خده الأيسر مع يسار الذقن، وأغلب الظهر مصاب بالحرق .. لم يستطع وجد أن يمسك دموعه فبكى ووضع المرآة جانبًا، خرج الطبيب والممرضة فسألتهم ليلى عن حالته فزمّا شفتيهما بأسف. استجمعت ليلى شجاعتها ودخلت إلى وجد الذي كان دافنًا وجهه في كفيه ركضت إليه

"وجد .. انظر إليّ أرجوك" .. فرفع عينيه المبللتين كزجاج نافذة بعد المطر فوضعت يدها تحت ذقنه قائلة "كلما رأيت هذه الأثار سأتذكر مغامرتك لإنقاذي .. " غطى وجد ظهره ورقبته بغطاء وقال "لن تريها أصلًا .. " فشعرت ليلى بحزن عميق

"وجد .. كيف تظن أنني سأخاف من هذه الآثار ألا تعلم ...." ثم قطعت كلامها .. وهبت واقفة ثم نظرت إلى عينيه مطولًا كأنها تعانقه ثم غادرت .

عاد وجد إلى منزله بعد أيام .. كانت ليلى رغمًا عنه تمر لتغير له الضمادات يوميًا .. تأتيه قبيل ذهابها للكلية لتغير ضماداته وتحضر له الطعام عند عودتها .. بدأ بالتعافي وبدأت آثار حروقه تجف تاركة الشكل النهائي الذي سيلتصق به للأبد .. بدأ هو أيضًا بالعودة لبيع الكتب ..

كان الناس يتهامسون سرًا على ليلى الطبيبة التي تأتي للفتى الفقير كل يوم .. تكاثرت الهمسات والأحاديث النزقة عن الفتاة والشاب .. وصلت أحاديث الفضوليين مسامع أهل ليلى ورأو أن الحل الأمثل لقطع هذه الألسنة هو تزويج الفتاة حتى وإن لم تنهي دراستها بعد .. رفضت ليلى رفضًا قاطعًا .. وذهبت لتطرق باب وجد باكية، فتح الباب وأدخلها، أخبرته أنهم سيزوجونها بشخص لا تحبه، فقال وجد وفي حلقه وفؤاده غصة تذبحهما .. "ولِمَ لا ..؟ " نظرت إليه وعيناها لا تُرى من الدمع "أتسألني لِمَ لا ! .." ثم أخذت حقيبتها غاضبة ثائرة تتنهد ويتحشرج بكائها وتذهب باتجاه الباب .. لم يحتمل قلبه المذبوح فأمسك معصمها وشدها باتجاهه فبكت على صدره حتى احمر وجهها وبكى هو فوق رأسها بكاءً صامتًا ثم أبعدها قائلًا "ليلاي .. لا حق لي في أن أبقيك جواري .. قلبي محترق كجسدي ولكن أنتِ طبيبة وأنا لا مستقبل لدي، عملي بسيط ومنزلي أبسط"

كانت ليلى تهز رأسها نفيًا بهيستيرية .. "وجد أنت تعلم مابداخلي كما أعلم مابداخلك .. فلا تحدثني عن تراهات مجتمعية وطبقية متخلفة .. أم أنك لا .." قاطع حديثها "بل أعشقك .. منذ أول يوم وقعت عيناي عليكِ فيه.. منذ ثلاثة أعوام أنظر إليك بشغف يحرق وسادتي كل ليلة .. أنا منذ ذلك اليوم في هواكِ كحطابٍ يذهب للصحراء كل صباح لا يجد شجرًا يقطعه فيقطِّع يده غاضبًا ثم يعود ليضمدها ... هكذا جريح بلا أمل .. مشرد يمر وطنه أمامه كل صباح يرفرف القلب له ويهوي إليه فتشد أجنحته أصفاد الواقع "

"لن أتزوج يا وجد .. فأنا أحبك .. وأحب تلك العلامات لأنها هي التي أبقتني حية أتنفس إلى الآن .. ".

غادرت ليلى بيت وجد وصعدت إلى منزلها معلنة الحرب عليهم .. وكانت على أعتاب التخصص في كلية الطب فاختارت قسم التجميل .. وذهبت إلى وجد في ذلك اليوم ... ففتح الباب، عانقته ودخلت "لقد اخترت تخصصي. جراحة التجميل ..

"ولكنكِ كنتِ تحلمين بتخصص آخر"

ردت بتلقائية "واخترت التجميل .."

هنئها ثم ذهب إلى الداخل وعاد بكتاب في يده " لقد أحضرت لكِ كتاب عن الفلسفة .. ألم ترغبي في كتاب كهذا منذ وقت طويل"

قفزت ليلى فرحًا وتعلقت بعنقه امتنانًا كطفلة صغيرة .

مرت الأيام والأشهر تحت ضغط من أهل ليلى، كانت تدرس بجد وتقوم بعمل أبحاث كثيرة .. وتسهر طويلًا، حتى وضع الليل قبلته السمراء تحت عينيها ..

تخرجت وقد كان لها مستقبل لامع .

ذهبت لوجد ذات يوم وطرقت الباب ففتح لها

-هيا هيا ارتدي شيئًا سنذهب

-ولكن...

-أسرِع وإلا غضبت ..

أخذته إلى أحد المشافي ..

قالت ليلى "هيا ندخل " تردد وجد وحاول السؤال فقالت "لا تسأل رجاءً هيا "

سارا داخل المشفى حتى وصلا إلى غرفة عمليات، سلمته لفريق التمريض، وهو لا يعلم مايحدث من حوله، بعثت بقبلة له في الهواء وتركته، سأل فريق التمريض لم يجبه أحد، وجد نفسه على طاولة العمليات ودخلت طبيبة تضع لثامًا .. إنها هي..

-ليلى ..!

-أجل أنا ..سأخلصك من مغامرتنا الصغيرة ..

-أي مغامرة ..!

تضع ليلى قبلة على جبينه قائلة "ألا تثق بي ؟! " يبتسم وجد، فتشير إلى طبيب التخدير فيُقبِل عليه.

استيقظ وجد ووجدها أمامه مبتسمة ومتأملة وجهه الملفوف بالضمادات ..

"أين أنا ..وما هذه الضمادات ؟" تضع كفها على وجنته "القليل من الصبر .. أيام فقط "

مرت الأيام وحان موعد فك الضماد .. فكته هي بيديها ثم جلبت المرآة أمامه ..

عاد وجهه لطبيعته قبل الحريق وكذلك رقبته وتلاشت آثار الحروق في ظهره بنسبة هائلة.

بكى أمام المرآة عانقته ليلاه وبكيا سويًا .. قالت "لم أكن لأسبب الأذى لقطعة من روحي .. ولم أكن لأرضى بألم نفسك، أحبك .. اليوم قد مر عامان على اعترافك لي بحبك وكانت هذه هديتك"

حين يأتي الحب تخرج النفس عن طورها، يصبح الشتاء ربيعًا .. يتصالح الإنسان مع ذاته ومع الحياة بأكملها، حين يأتي الحب يأتي مقترنًا بالعطاء والتضحية والصبابة والأشواق أيضًا .. الحب لا يبيت في أفئدة العاقلين بل يقلب كيان المرء حتى يفقد عقله .

https://www.rqiim.com/rababashraf/فتيل-البداية-الجزء-الأول