"بعض الأماني لو تحققت لصارت كابوسًا"

في زقاق رمادي متفرع من شارع صاخب، يتوسطه باب خشبي يكاد لا يظهر من بين أكوام القمامة المحيطة به، خرج منه شاب هزيل البنية أسمر البشرة، تظهر على وجهه علامات الكدر والكآبه كأنها ترتع في خطوط ملامح كهلٍ معمر .. ألقى الشاب حقيبة قمامة ثم دلف إلى الداخل وهو يخلع رداء العمل وقبعته الزرقاء ذات صورة لشطيرة في منتصفها، صفع الباب متأففًا .. رفع رأسه إلى السماء وزفر زفرة خلاص كأن اليوم كان يمر عليه كقطار بضائع ثقيل الخطى، نظر إلى قط أسود ذا بقعٍ بيضاء على الظهر وحول العين .. تحسس ظهره بينما كان الآخر يتثائب مشنجًا جسده إلى الخلف . "آهٍ أيها الهِر .. ليتني مكانك، أبحث عن طعام لآكله وأنام"
ثم جلس جوار القط وأخرج من جيبه كسرات خبز طازج وفتته قطع ليشرع الآخر في التهامه ..
"أتعلم أيها القط ما معنى أن تعتريك الرغبة في الهرب، لا شيء في حياتي يستحق المتابعة، حياة رتيبة .. آتي إلى هذا المطعم الدبق ذا الطعام السيء، لأتحمل زبائن متدنيي الذوق، جوعى يشبهونني تمامًا إلا أنهم أقوياء، وأنا ضعيف لا أقوى على العراك مع أحد، أتحمل بشاعتهم، وبشاعة صاحب المطعم، وبشاعتي .. لآخذ ثمن العشاء"
ظل يثرثر والقط لا يبالي ولا يستطيع أن يبدي حتى التعاطف. تمنى الشاب للحظة أن يكون كالقط .. بهذا السلام الذي يمكنه من عدم الإكتراث للحياة، حتى وإن بث أحدهم بكل هزائمه إليه وانكسر كغصن ضعيف أمامه.
أيقظ الشاب من أحلامه صوت صديقه وزميله في العمل "هأنت ذا ..ظننتك ذهبت وتركتني كالعادة يا قَدَر"
تنبه الشاب فنهض ونفض يديه وبنطاله..
-أتعلم يا ياسين.. في كل مرة تنادني بإسمي -قَدر- أود لو أضحك حتى الشهق
- ولِمَ هذا أيها البائس ..؟
-هل يكون الإنسان مطاردًا إلى هذا الحد! حتى في اسمه .. قَدَر .. يبدو أن قدري كله بلون الليل يا صديقي.
-أنت لا ترى أى جانب جميل .. دائما ما تُميت نفسك وتميت ما حولك.

تمهل قدر وتباطء سيره، وشرد في اللاشيء .. أخذ شهيقًا عميقًا بقدر مالديه من بؤس .. زفره وفتح عينيه تدريجيًا فإذا بدرويشٍ ذا عباءة رمادية رثة ولحية كثيفة وعصا غليظة تبدو وكأنها تعود لمئات السنين.
"الرضا ..الرضا
الصبر .. الصبر
إذا سخط المرء ..سُخِط عليه .. ارضَ يا قَدر"

قال الدرويش بشكل متتابع .. شعر قدر بالرهبة، وتلكأ قليلًا .. تلفت حوله فلم يجد أحد .. الشارع خالٍ " من أنت وكيف تعرف اسمي؟"
قال قدر بصوت مرتجف حاول استجماعه.
ولكن الدرويش لم يرد .. ولم يكن في الشارع سوى قدر .. هرول إلى منزله وظن أنه يعاني الحُمى، أخذ حمامًا باردًا .. وألقى نظرة على والدته القعيدة التي هدّ أوصالها المرض، ثم ذهب إلى النوم محاولًا نسيان اليوم بأكمله.
جاء الصباح معبق بنسيم الربيع .. اقتطع هدوء الأجواء صوت منبه ُضبِط على الساعة التاسعة صباحًا، مد قدر يده مترنحًة ليُصمت هذا الضجيج، ولكنه سقط أرضًا، لم يفهم ما حدث، نظر حوله وعينه تترنح بين النوم واليقظة.
"يا إلهي ماذا حدث! ..أين أنا! "
بدأ يستجمع الصورة شيئًا فشيئًا "إنها غرفتي ولكن لِم يبدو كل شيء أكبر من المعتاد! "
حاول النهوض فعاود  أرضًا .. نظر إلى يده وكانت المفاجأة ..تبدلت أنامله وذراعيه إلى فراء ومخالب صغيرة صرخ مندهشًا ولكن صوته لم يخرج خرج بدلًا منه مواء ضعيف .. حدث نفسه "قط ! هل صرت قطًا ! .. لا هذا حلم وسأستيقظ منه حتمًا"
ركض إلى الخارج كانت أمه نائمة، نظر إلى مرآة طويلة بجوار الباب ولم يجد جسده .. تبدل إلى قطِ أسود ذا بقع بيضاء وبنية .. شعر وكأن ضربًا من الجنون سيصيبه أو أصابه بالفعل .. ركض باتجاه النافذة وقفز منها إلى الأرض.. كانت تبعد مسافة طابق واحد .. نزل على أطرافه الأربع "لم تكسر يداي ولا قدماي ولم أصب بكدمات .. هل أصبحت قطًا بحق ! " وبينما كان شاردًا شعر بنفسٍ خفيف يلفح وجهه فإذا به قط رمادي يصدر صوت مواء دفين يتحول تدريجيًا لزمجرة، تراجع قدَر في فزع فأشهر القط مخالبه في وجهه وهم بجرحه، ركض قدر، والقط يركض وراءه لم يفهم لِم يعاديه ذلك القط ... حتى وصل إلى طريق سيارات، دفعه الخوف للركض بلا وعي، ولم تلحظ السيارات وجوده فدعست إحداها على ذيله صاح في ألم وصدر وجعه مواءً .. شعر بألم طاغٍ .. لم يستطع الصراخ ولا التلوي ولا حتى التعبير سوى بارتعاش جسده، وزمجرة خافتة كالأنين المكتوم .. نظر إلى ذيله لم يكن فيه شيء ظاهر، ولكنه لم يستطع تحريكه، فهم أن ثمة عظام مكسورة فيه، واصل السير والألم يضرب جسده كله، تكوم بجوار إحدى صناديق القمامة، امتزجت داخله المشاعر السيئة كمجموعة من السموم داخل كأس من النبيذ الفاخر، بداخله كل المشاعر السيئة، الخوف، الألم، الضياع، عدم الإستيعاب، الرغبة في الخلاص .. وظاهره قط صغير لطيف ذا نظراتٍ كسيرة تأسر قلوب العابرين .. اقتربت فتاة منه ومسدت جسده، وهو لم ينظر لها .. وضعت له كسرات خبز مبلل وغطاء صغير به ماء، لم يرغب بالأكل، زعم له عقله أن ينام فيستيقظ إنسان مرة أخرى، حاول أن يغمض جفنه فأمسكته الفتاة التي أدركت أن به خطب ما، نظر إليها، فوجئ بها ورغب بأن يبكي أو يصرخ .. "آهٍ يا ليلى أى سخرية قدر هذه ! تكونين طيلة الحياة بعيدة المنال وعالية كنجوم السماء لا أجرؤ حتى على الإقتراب منك .. وعندما تبادري بالإقتراب أكون حبيس جسد قط مسكين تقتربي منه إشفاقًا عليه !"
حَمَلته وذهبت به إلى طبيب بيطري والذي بدوره قام بربط ذيله .. تركته الفتاة يرحل فسار في الشوارع منكس الرأس، يرغب بالعودة إلى منزله ولا يستطيع، يريد البكاء والتعبير عن الغرابة التي تلتهم داخله .. وما من سبيل للتعبير .. وجد نفسه أمام المطعم الذي يعمل فيه، وقف عند الباب الخشبي فوجد ياسين صديقه خارجًا، ركض تجاهه ولكن ياسين صرخ وأشاح في وجهه بحقيبة كانت في يده، تذكر قدر خوف ياسين من القطط وأنه مامن طريقة ليعرفه .. فتراجع في حسرة حتى ارتطم بصندوق القمامة المجاور للباب، فخرج منه القط الذي أطعمه بالأمس، نَفش القط ذيله وأصدر الزمجرة ذاتها التي زمجرها قط الصباح .. وأطلق بخّات .. وحاوط قدر الذي لم يفهم ما يحدث ولِمَ يتعامل القطط مع بعضهم بهذه العدائية .. ركض من القط وحاول ألا يكرر تجربة الصباح ويعبر الشارع.. استطاع أن يهرب منه في النهاية ..

أمطرت السماء وقد كان غريب أن تمطر بالربيع، فحدث قدر نفسه "هذا ما كان ينقص" ارتكن إلى جدار خلف صندوق قمامة كبير، وجد بُرصًا يسير بجواره على الجدار وشعر بشيء ما داخله يدفعه لمهاجمته وأكله .. شعر بالغثيان من الفكرة ومنع نفسه من فعل هذا .. خالجه اليأس ولم يدرِ ماذا يفعل .. قدّ حبل أفكاره صوت هزيل رخيم "هاقد أصبحت قطًا .. ماذا فعلت؟ هل أصبحت راضيًا! .. هل هذه هي الحياة التي تتمناها! .. أن تخرج من كونك بشرًا إلى مخلوق آخر ! "

نظر تجاه الصوت قائلًا في نفسه "إنه هو .. ذلك الدرويش .. ربما يكون لديه تفسير لما أنا فيه .. ولكن لا أستطيع الكلام ماذا أفعل"
قال الدرويش وكأنما يسمعه "لا داعي للكلام .. تمنيت وحدث ما تمنيت .. أنت لا ترضى في كل الأحوال وهذه كارثة أخرى "
أراد قدر أن يصرخ ويقاطعه "لقد ندمت .. أريد حياتي القديمة .. لن أشكو.. ولن أتذمر .. لن أتأفف .. وسأحتمل صاحب المطعم وزبائنه" ولكن صوته لم يخرج .. أراد تمزيق ذلك الجسد والعودة كما السابق ولكن لم يستطع .. كانت السماء تمطر بغزارة والبرق يلمع .. كان يتخبط بين الخوف والرغبة في البكاء والإختباء .. والضياع .. شعر بالإختناق ولكن حتى الصراخ لا يستطيع إخراجه..
رن المنبه على التاسعة  .. استيقظ قدر فزعًا .. وجد نفسه في الغرفة نظر إلى يده ورجله.. تحسس وجهه .. كان كل شيء طبيعي .. هرول وتعثر بملاءة السرير ثم تابع حتى وصل إلى المرآة .. "كل شيء يبدو طبيعيًا ..أكان حلمًا!" قال وصوته يتقلب بين الضحك والذهول .. ثم جلس يفكر في ذلك الحلم وفي أمنيته الصغيرة التي لو تحققت لعاش كابوسًا .
غسل وجهه، وارتدى ثيابه.. كتب رسالة إعتراف بمشاعره لليلي .. وأعد الفطور لأمه ثم قبل رأسها ويديها، خرج من المنزل كإنسان جديد وعلى وجهه ابتسامة تفاؤل، وضع الرسالة في صندوق بريدها .. ثم تابع الطريق إلى عمله، دلف إلى المطعم بابتسامة ودودة "صباح الخير للجميع" قالها بصوت تغمره الحيوية، ناداه أحد الزبائن أخذ طلبه مع ابتسامة وكلمات ودودة .. فبادله الزبون الإبتسامة 

حدث نفسه " ياللعجب .. الإبتسامة تغير كثير من الأشياء"
دلف ياسين إلى المطعم فعانقه قدر
-ماذا هناك هل صدمت رأسك؟
- أنا سعيد .. لست قطًا يابني .. لست قط
-قط!!