تتداخَلُ خيوطُ الشمسِ مع خيوطِ النُّور الخَفِيّةِ المُنبَثِقَةِ من المآذنِ شروقّا وغروبًا ..
وتتواري الشمسُ خلفَ أعمدَتهَا كطفلَةٍ صغيرةٍ خجلَى ذات وجهٍ مُنير .. وأقفُ أمامها مشدوهةً أحاوِلُ أن أرى مصدَر النُور أمِن الشمسَ أم من المَآذِن يَنبَثِقُ ؟ ..

أحاوِلُ كثيرًا ثمّ أهتدِى في نهايةِ الأمرِ أنّ النورَ مُرَكبٌ نتجَ من تفاعلُ خيوطهما المتلألأة سويًا ..

لطالما درَسنَا أنّ وحدَةَ بناء الجسد هي الخلِيّة ، وأن وحدة بناء الخليّة هيَ الذرّة ، وأنّ الذرّة مركّبة من عنصرينِ أساسيين هما الإلكترونات والبروتونات ..
وانظُر إلى الإنسان متأملّة في تكوينه فأخالُ أنّ وحدَة بناءِه الخفيّة هي الرُّوح ، وأنّ وحدة بناء الروّح هيَ " النُّور " ، وأنَّ النُّور مركَّبٌ في أصلِه من الأنوارِ المُنبثقةِ من المآذن ومن السَّماء بما فيها من شمسٍ وقَمرٍ ونجوم !

أخَالُ أنّ الروحَ تحتاج النُّور لتقتاتَ عليه .. وأظُنُّ أنَّ الحياة الخالية من المآذِن وأنوارها الخفيّة ، ومِنَ السّماءِ وأنوارها المادِيّة والمعنوِيّة ، هي روحٌ خالية من الحياةِ ، بل ماتت وهيَ على قَيدِ الحياة ! ..

نَعَمْ ، للمآذِن أنوار خفيّة ، مثل أولئك الذين قيلَ فيهم " الأخفياء الأتقياء " فهيَ رُغمَ خفائِها عن كثيرٍ من الأرواحِ ما كانت تلكم الأرواح لتكمل الحياةَ بدونها ..
تصدحُ المآذن بكلماتِ الآذانِ خمسَ مرّات في كل يوم ، وقبل كل مرّة من الخمسِ يموتُ بعض الروح ، وبعد كلٍ تدُبُّ الحياةُ فيه بخفَّة وعلى مهل !..
تلكم الطمئنينةُ التي تسرى إلى النفس مع كلمة " الله أكبَر " لتُضَمّدَ ما جُرِح، وتُطمئن ما اضطرب ، ولِتجمَع ما شُتِت ، ولتجبُرَ ما انكسَر ..
اللهُ أكبرُ من كل ما تشعُرُ به .. الله أكبرُ من كل ما تخافُه .. الله أكبَرُ من كل سِعَةٍ شغلَتك عنه ومن كلٍ ضيقٍ ساقَك إليه .. الله أكبرُ من كل شئ وأي شئ .. فلا تخَف .. لا تخَف ما دامُ المُلك بيديه ، وما دامت الأقدارُ منوطَةٌ به لا بغيره ..
وذلِكُمُ الأمَلُ الذي يتصارَعُ مع آلامنا ليلًا ونهارًا .. فيأتِي علينا الآذانُ ومعهُ البُشرَى بأنّ وقتَ الدُّعاء المُستجَاب قد دخَل وأُذِن لكل ذي أَمَلٍ أن يطلُبَهُ من مولاهُ الذي وعدَهُ بالإجابة ، ولصاحِب كل ألمٍ أن يُلقِي به على عتباتِ أبوابِه .. لينصرِفَ كلّ منهما مطمئن النفس بأنّ الله هُنا ، مُرتاحَ البالِ بأنّ أحدًا قد استمع لخلجات قلبِه ونبضات أمَلِه وألَمِه .. وليس مجرّد " أحَد " وإنَّما هُوَ اللَّهُ" الواحِدُ الأحَد " ..
وهاكُم النُّور الذي يملأُ العيونَ حينما تنظُر إلى المآذنِ رُغمَ ظلام الليل ، حينما يصحَبُ القَمرُ أعلى المئذنةِ طول الليل كأنما يُزَيِّنُها ..ثُمّ يرحَلُ عنها لتأتي الشمسُ بخيوطها الذهبيّة ..
فلا ينظُرَنّ أحدٌ لمئذنَةٍ إلاّ وتُضفِي علي حُسنِه العَبقَ .. وعلى ظُلمتِه النُّورَ والأمَلَ ..

أعودُ فأقول ..
نعم ، للسماء أنوارٌ ماديَّةٌ ومعنوِيّة ..
ألا ترى إلي السماء كيف تُضِئُ الكونَ بنُورِها ..
ولكَم غازلت خيوط الشمسِ والقمر وجوهًا عابِسَةً فأنارَتها ، ولَكم داعَبَت عيونًا باكِيَةً فأضحكتها ..
ولكَم نظرَ عبدٌ ضعيفٌ منهزِمُ النَّفسِ إليها فتذكّر " وفي السماءِ رزقُكُم وما توعَدونَ " فاطمئنَ واستكَان ..
ولكَم سمِعتُ أحدهُم ينظُر للسماء ويقول " يا رافِع السماواتِ بغيرِ عمَدٍ نرَاها ، ارفَع عمَد روحي فإني بلا عمَدٍ أراها ... " .

أليست المآذِنُ من وحدات بناء الروح إذًا :')؟ ..
...
رحيق يماني ( اليَاسَمينَة ) .