أتَذَكَرُ جَيِّدًا أنِّي مُنذ شهُورٍ مَعْدُودَة كُنت أَستقبِلُ " المَوت " بِقَلبٍ مُتَدَاعٍ وجَسَدٍ قعيد لا يقوى على البَذلِ والسَّعي ..

كَانت أخبار الوَفِيَّات والجَنازات تُرْهِبُنِي .. أقِفُ أمامَها عاجزةً أتسائل .. كيف أمضِي .. وبأيّ اتجاهٍ أسير .. وإلى أينَ سينتهي بِيَ الطريقُ يا تُرى .. ولم أكُن أتسائَلُ جَهلًا بكيفيّة المُضِيّ أو اتجاهات المَسير ، وإنَّما جهلًا بـ " أصْوَب " الخُطَى و " أَوْلَى " الاتجاهات ! ..

وما زلتُ على حَالِي تِلْكَ حتَّى تَبَيَّن لِي حديث سَيِّدنَا مُحَمَّد ( صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ) : " إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها " .. فليَغْرِسْها .. نَعم ، فَليَغْرِسْهَا حتَّى لَو كانت لحظة نهاية العالم كُلِّه ! .. فلَيَغرِسهَا .. حتّى لو كانَ غَرسهَا آخر ما يفعله في حياتِه .. حتَّى لو قُدِّرَ لهُ ولَها أَن يَفْنَيَا بعد غَرْسِهَا بِلَحَظات ..

فتَغَيَّرت من بَعْدِه مَراسِمُ استقبال الأحداث في دَاخِلِي .. صِرْتُ أُرَدِدُ صَباحَ مَساء كَلِمَةً واحِدَة " فَليَغْرِسْهَا " .. لأستَحِثَّ قَدَمِي عَلى السَّير ، لأُوَطِّنَ قلبِي على السَّعْي ، لأُذَكِّرَ نَفْسِي أنَّ كُل غَرْسٍ ينبغِي أَن يُرعَى حتَّى آخِر لحظة .. نعم ، حتَّى آخِر لحظَةٍ ولا عَليْنَا .. اللَّهُ يَتكَفَّلُ بـ " اللحظة " وما بعدها وما قَبلَها ..

كانَت " فليَغْرِسْهَا " تُذكِّرُنِي أنَّهُ ينبغِي أن لا أتوقف .. ينبغي أن لا يتوقَّفَ أيُّ سَعى .. 

تُذَكِّرُنِي أنَّ المَوت حدثٌ يَستَلزِمُ أن يكُونَ ذِكْرُه مُرتَبِطٌ بِمَزيدِ عَمَلٍ لا بِمراسِمِ تَخَلُّفٍ عَن الرَّكْبِ وقُعود وشتات وقنُوط ..

لكِنَّ الأحداثَ تسارَعت وتسارَع معهَا كُلُّ شَئ .. كُلُ يومٍ أَخْبَارٌ لا تُحْصَى ولا تُعَدّ .. كُلُّهَا تُبِينُ عن أمْرٍ مُلَخَّص فِي كَلِمَتين "ماتَ فُلان " ! ..

وكُنتُ مع تَسارُع الأحداثِ أُحَاولُ جهد استطاعَتِي أن أتذَكر " فَليَغْرِسْها " .. أن لا أتوقف .. أن لا يتوقف أيُّ شَئ .. ألَّا أُلقِيَ " الفَسِيلَة " مُدَّعِيَةً أنَّها لَن تُسمِنَ ولَن تُغنِي مِن جُوع ..

لَكِن .. زادَ في قَلبِي تساؤلٌ جَدِيد ..

يا تُرَى .. ما هِي أَولَى الفَسائل بالغَرسِ في لحظَةِ النِّهَاية ؟..

بعبارَةٍ أُخْرَى .. مَا هِي أوَلى الطُرُق بِالسَّعْي ، مَا هُو الطريقُ الذِي لو قُبِضَت رُوحِي إِبَانَ السَّير فيه لَن أنْدَم ، لَن أَقُول يا ليتَنِي قَدَّمْتُ غَيْرَهُ عَليه ؟ ..

كُنتُ أَشْعُرُ بِحَاجَةٍ مُلِحَّةٍ للحصول على جَوابٍ يُقنِعُنِي ..

ولَم أَزَل أَتَسَائل حَتَّى تذَكَّرتُ أمرًا كانَ " طرف الخيط " الذي سيوصِلُنِي ويُوصِلُنَا جميعًا إلى إِجَابَة ..

طَرَفُ الخَيط هُوَ " الأسئلَةُ المُوَحَّدَة " ، الأسئلَةُ الَّتِي يطلُبُونَ مِنَّا أَن ندعُوَ للميِّت بالتوفيق فِي جَوابَِها في كُل مَرَّةٍ يقُولونَ لنا فيها : استغفِرُوا لِأَخِيكُم فإنَّهُ الآنَ يُسْأَل ..

نَعَم ، ألَيْسَت هَذه أول أسئلَةٍ تُوجَّهُ لَنا في القَبر ؟ .. لا بُدَّ إذًا أَنّ " إجاباتِهَا " أولى بالغَرْسِ مِن غَيْرِهَا .. لا بُدَّ أنَّ السَّعيد مَن كَان غَرْسُهُ لأَجْلِها والشَّقِيُّ مَن لم يكُن غرسُه كَذلِك ..

رُبَّمَا ستكتَمِلُ الصُّورَة حينَما أُذَكِّرُ نَفْسِي بـ فَليَغْرِسْهَا ، ثم أُضِيفُ لذلِكَ أنَّ أوْلَى الغَرْسِ ما أَثْمَرَ في أوَّل مَحطَّاتِ الحياةِ الآخَرَة حتَّى ولو لَمْ يُنْبِت - ظاهِرًا - في الحياةِ الدُنْيَا ..


أَتَذَكَرُ أَنِّي في أَوْلِ سَنَواتِ الجامِعَة كَان يَصْعُبْ عَلىَّ وعَلى زُملائِي التحصيل .. كُنَّا نَبْذُل جهدًا كبيرًا في تَرجَمَة الكلماتِ الجديدة ، وفهم المُصطلحات الغَرِيبَة ..

لِكِنَّ بَعضَنا كَان يَبْذُلُ جُهدًا مُضَاعَفًا ولا يُحَصًِلُ المَرتبَة الأولَى مَثَلًا ! .. وكان لذلك أسباب كثيرة بالطبع ، لكن أحَد أهم الأسباب كان جهلنا بطبيعة المرحَلة الجامعيِّة .. بطبيعَة دراسَتهَا وطريقة التحصيل الأمثَل ..

كُنتُ دائمًا أتحَدَّثُ مع أُمِّي عَن شَفَقَتِي على زميلةٍ لِي تَبْذُل قُصَاري جُهدها وتسهَرُ الليالِي تلو الليالِي وفي النهاية تحصُلُ على - نتيجة متواضِعَة - ..

كانَت أُمِّي تقُول لِي أنَّها تعلَّمت أن العبرة في معرفَة " من أين تُؤكَلُ الكَتِف "- كما يَقُولون - ..

ولَم أَكُن أعِي كيفيّة تطبيق ذلك على أيِّ حَال .. لكِنّي مع تقدُّمي في سنواتِ الجامِعَة أدركتُ أنّ العبارة ربما تُصاغ بشكل آخر : " مش لازم تذاكر كل حرف في الكتاب ، افهم على راحتك وابذل على راحتك ، بس أهم حاجة في الآخِر ترَكِّز على الشيت وتضمنه ، غالبًا الامتحان مش بيخرج كتير عن الشيت " 

الشِّيت .. طَرَفُ الخَيط إذًا ..

كبرنا وأدركنا مع مرور الأيَّام أنَّ أولَى الأسئلة بالمُراجعة والاستذكار هي " أسئلة الشِّيت " .. فَلِمَ لا نقيسُ على ذلك لنُدرِكَ أنَّ أولَى الأسئلَة بالبحث عن إجاباتٍ مُقنِعَةٍ وكافِيَةٍ وشافِيَةٍ هي " الأسئلة المُوَحدة " التي أُخْبِرنَا أنَّها موضِعُ اختبارِنَا وأنَّها " الامتحان " الأول للجميع .. أكبر وأهم - امتحان - سنمر به ..

ربما أَوْلَى " المذاكرة " ما احتوى عليه " الشِّيت " 

وأولى " الغَرْسِ " ما كان سعيًا يُعينُ على الإجابة عن الأسئلة " المُوَحَّدة "..

رُبَّما علينا أن نُفَكِّرَ في إجابات هذه الأسئلة أولًا ، ثُمَّ في كيفيةِ ترجمة هذه الإجابات إلى " غَرْس " .. غرس تقَرُ به أعيننا في نهاية المطاف ..