مُهَاجِرٌ ..

لا أرضَ تعترِفُ بأنَّهَا وَطَنِي ، ولا بيتَ أُسَمِيِّه سَكنِي ..

شئٌ أشبه ما يكون بمكانٍ أحتاجه لأنامَ فِيه متطلعًا إلى سَقفِه ليسَ إلاَّ ، ولا أحاوِلُ أن أجِدَ بينَ أروقَتِه سكَنًا أو أن أصنَعَ فِيهِ ذِكرَى ..

لأنَّ الأماكِن التي صنعتُ فِيه ذكرياتِي لَم تحفَظ لِي حقِّي فِي استِبقائِهَا ! ..

مُتَنَقِلٌ من هُنَا إلى هُناكَ ثم إلى هناك آخَر جديد ! ، ولم أعُد آبَهُ في الحقيقَة إلى أين أنتقِل ، فقط أتمنَّى أن أصِلَ في نهاية المطاف إلى المكانِ الذي أُخْرِجتُ منهُ عُنوَةً ، أو أن أنتقِل إلى مكانٍ لا أضطر لتركِه من جديد على الأقلّ ..


كنتُ أظُنُّ أنَّ اللحظات العصيبَة ستمضِي ، وأنني سأرتاح حينما أعودُ لما كنتُ عليه ، لكن الأوقات العصيبة لم تمضِ " بسلام " ، بل تركت في نفس كلِ من انتظرتُهم ندبًا عصيًا على المُدواة ، وتركت في قلبِي أكبرَ ندبٍ حينما أدركتُ أنها لم تمضِي أو للحق .. أنها لن تمضي ، ولن تعود ! لن تعود أبدًا كما كانَت ..

وحتَّى حينَ أُخَيَّرُ في العودةِ إليهَا ، أجِدُ في قلبِي شجونًا كفيل بأن أُركض مبتعدًا عنها .. أركُض بكل ما أوتيت من قوّة كي أبتَعِدَ عنها .. ثم أبكِي لأنِّي ابتعدت .. رغم أنني ابتعدتُ بكامِل إرادتِي كي أتخلَّصَ من الألم ! ..


في بداية الأمر ، كان صوت الشِجَار بين قلبي وعقلي يتعالى ، وكنتُ أحاوِلُ تهدئتَهُمَا متعلُلًا بالذِكرياتِ والأمَلِ ، فتنخفِضُ الضوضاء ويسودُ شئ من الصمت ..

والآن ، صارت أصواتُ عثرات وشِجَار وتأوُّه مَن استَعنتُ بذكرياتهم تتعالَى ! ، صارت تتعالى وصِرتُ أتمنى أن ينتهي كل شئ على أيّ حال ، أن ينتهي كل شئ ، لا أريد ذكريات ولا أمل .. فقط أبحث عن السَّلام ! ..


معاركٌ مستمرة مُذ سنوات طويلة ، أخوضها فقط لِكَي أستمر في السعي ، كي لا أتوقف ، كي لا يتوقف من بَقِىَ ممن أُحِبُّهم معِي ..

والآن .. صار لكل منَّا معارك بينه وبين نفسِه ، وصار لكل تلك المعارك انعكاساتها على معركتنا المشتركة ! ، صار الأمر مُضنِيًا .. 


هل بوسع الأيام أن تمرّ بسلام ؟ ، هل بوسع العالم أن يُشفقَ على بعض المظلومين ولو لساعاتٍ قليلة ؟ ، هل بوسع كل شئ أن ينتهِي على خَير ، أو أن نعود أطفالًا لا نعتقدُ سوى أنَّها أيام وستمضي !؟ ..

أتمنَّى ..