🦋 #قصة_الأعشى_والمُحَلِّق_الكِلَابِي

كان الشاعر المشهور إذا قال بيتا واحدا يهجو فيه شخصا أخمله ولو كان ماجدا، فإن مدحه فيه طير ذكره في الآفاق ولو كان من قبل خاملا وضيعا ، وهذا مع حدث مع صناجة العرب الأعشى والمُحَلِّق الكِلَابِي.

كان الأعشى يوافي سوق عكاظ في كل سنة ، وفي أثناء عودته مرّ بحيّ من بني كلاب فلما عرفوه استبقوه عندهم عدة أيام وهم يتداورونه بالولائم إلا رجلا منهم وكان يدعى المُحَلِّق الكِلَابِي وهو عبد العزى بن حنتم بن شداد بن ربيعة بن عبد الله بن عبيد وهو أبو بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وإنما سمي محلقاً ؛ لأن حصاناً له عضه في وجنته ، فحلق فيه حلقة ، وقد كان مئناثاً ( كثير البنات ) مملقاً. فقالت له امرأته : أن الأعشى قَدِم، وهو رجل مُفوَّه، مجدود في الشعر، ما مدح احدا الا رفعه، ولا هجا احدا الا وضعه ، وعندنا لَقحَةٌ ( الناقةُ الحلوب الغزيرةُ اللبن ) نعيش بها، فلو سبقت الناس اليه، فدعوتَهُ الى الضيافة، ونحرت له، واحتلتُ لك فيما تشتري به شرابا يتعاطاه – لرجوت لك حسن العاقبة . قال : ويحك! ما عندي إلا ناقتي وعليها الحمل !. قالت : الله يخلفها عليك. قال : فهل له بد من الشراب والمسوح ؟ قالت : إن عندي ذخيرةً لي ولعلي أن أجمعها. قال : فتلقاه قبل أن يسبق إليه أحدٌ وابنه يقوده فأخذ الخطام (الزمام وما وضع على خطم الجمل ليقاد به ‏) ، فقال الأعشى: من هذا الذي غلبنا على خطامنا ؟ قال : المحلق. قال : شريفٌ كريم ، ثم سلمه إليه فأناخه (أَناخَ الجَمَلَ : أَبْرَكَهُ ) ، فنحر له ناقته وكشط له عن سنامها وكبدها، ثم سقاه ، وأحاطت بناته به يغمزنه ويمسحنه. فقال : ما هذه الجواري حولي؟ قال : بنات أخيك وهن ثمانٍ شريدتهن قليلة. قال : وخرج من عنده ولم يقل فيه شيئاً. فلما وافى سوق عكاظ إذا هو بسرحةٍ قد اجتمع الناس عليها وإذا الأعشى ينشدهم قصيدة مطلعها :

أرقت وما هذا السهاد المؤرق *** وما بي من سقم وما بي معشق

وَلَكِنْ أرَاني لا أزَالُ بِحَادِثٍ *** أغادى بمات لمْ يمسِ عندي وأطرقُ

فإنْ يمسِ عندي الشّيبُ والهمّ والعشى *** فَقَدْ بِنّ مِنّي، وَالسِّلامُ تُفَلَّقُ

إلى أن قال :

لَعَمرِي، لَقد لاحَتْ عُيُونٌ كَثيرَة ٌ *** إلى ضَوءِ نَارٍ في يَفَاعٍ تُحَرَّقُ

تُشَبّ لمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهَا *** وَبَاتَ عَلى النّارِ النّدَى وَالمُحَلَّقُ

رضيعيْ لبانٍ ثديَ أمًّ تحالفا *** بِأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرّقُ

يداكَ يدا صدقٍ فكفٌّ مفيدة *** وأخرى ، إذا ما ضنّ بالزّادِ، تنفقُ

ترَى الجُودَ يَجرِي ظاهراً فوْقَ وَجهه *** كمَا زَانَ مَتنَ الهِندُوَانيّ رَوْنَقُ

وأما إذا ما أوّبَ المحلُ سرحهمْ *** ولاحَ لهمْ منَ العشيّاتِ سملقُ

نَفَى الذّمَّ عَنْ آلِ المُحَلَّقِ جَفنَة ٌ *** كَجابيَة ِ الشّيْخِ العِرَاقيّ تَفْهَقُ

يَرُوحُ فَتى صِدْقٍ، وَيَغْدُو عَلَيهمُ *** بمِلْءِ جِفَانٍ مِنْ سَدِيفٍ يُدَفَّقُ

وَعَادَ فَتى صِدْقٍ عَلَيْهِمْ بجَفنَة *** وسَوْداءَ لأياً بِالمَزَادَة ِ تُمْرَقُ

ترى القومَ فيها شارعينَ ودونهمْ *** من القَوْمِ وِلدانٌ من النّسلِ دَرْدَقُ

طويلُ اليدينِ، رهطهُ غيرُ ثنية *** أشمُّ كريمٌ جارهُ لا يرهَّقُ

كذلكَ فافعلْ ما حييتَ إليهمً *** وَأقْدِمْ إذا ما أعيُنُ النّاسِ تَبْرَقُ

وانتشرت القصيدة في أرجاء سوق عكاظ كوميض البرق، فلم يمس المحلق إلا وقد تزوجت كل بناته، واغتدى رجلا طائر الذكر، ذائع الصيت، بعد أن كان خاملا مغمورا ، لقد أمسى كل عربي يرغب رغبة شديدة إلى التزوج من إحدى بنات المحلق، ممدوح الشاعر الكبير الأعشى، ليحظى بشيء من الشرف بتلك المصاهرة، وأي مصاهرة.

🌲 #المراجع :

-ابو الفرج الاصفهاني : الأغاني .

- د. عبد المالك مرتاض : سلطة الشعر عند العرب ( مقال ) .

- د. فهد عامر العازب : حكمة المرأة بين الأعشى و المحلّق الكلابي ( مقال ) .