خلصنا من خلال النقاش السابق إلى أن هوية الشخص تقوم على استحضار مرجعيات متعددة ومتداخلة لتحديد أسسها وفهمها، لكن يبقى القاسم المشترك بين الفلاسفة هو أن الشخص ذات مفكرة، عاقلة، واعية، قوامها الأنا كيفما كانت طبيعة وأسس بنائه وتكوينه (التفكير، العقل، الشعور، الذاكرة ...)، إلا أن قيمته تقترن بأبعاده الأخلاقية والحقوقية، فما الذي يؤسس البعد القيمي الأخلاقي للشخص؟ وبمعنى آخر، من أين يستمد الشخص قيمته؟ هل من كونه كائنا عاقلا أم من كونه كائنا أخلاقيا يسلك وفق قيم محددة؟


إيمانويل كانط

الإنسان يمكنه أن يتخذ من مختلف الأشياء، وسائل يستخدمها لتحقيق أغراضه، لكن ليس من حقه أن يعامل الأشخاص كوسائل ذاتية نفعية، لأن الإنسان هو غاية في ذاتها وليس وسيلة لتحقيق أغراض الآخرين، وهذا ما يمنحه قيمة داخلية مطلقة، ويكسبه احتراما لذاته، ويملك بذلك كرامته الإنسانية.
فالشخص هو الكائن الواعي الذي يعامل الآخرين لا كوسائل وإنما كغايات بحد بذاتها، وذلك لأن الإنسان كائن عاقل وحر وأخلاقي، وعليه، فهو يتصرف وفق القاعدة الأخلاقية التي سطرها كانط في كتابه أسس ميتافيزيقا الأخلاق: " تصرف على نحو تعامل فيه الإنسانية في شخصك كما في شخص غيرك، دائما وأبدا كغاية وليس مجرد وسيلة بتاتا".

غوسدروف

كما تجسدت في الفلسفة الحديثة من خلال الذات المفكرة "ديكارت" أو الشخص الأخلاقي "كانط" هي فكرة مثالية لا تستقيم مع طبيعة الوجود الواقعي للإنسان. فالإنسان لا يعيش في عزلة مطلقة أو في حالة استكفاء يستغني فيها عن الآخرين، بل يرتبط وجوده بعلاقات التضامن والمشاركة والانفتاح على الغير. أي أن قيمة الإنسان الأخلاقية تتحدد في كونه شخصا يكتمل من خلال علاقته بالآخرين على أساس المشاركة وتقبل الغير.
فالكمال الأخلاقي للشخص لا يتحقق إلا في علاقات التعايش داخل المجموعة البشرية، ومدى استعداد الذات للانفتاح على الغير والدخول معه في أشكال مختلفة من التضامن الذي يبرز الماهية الأخلاقية للإنسان.

هيغل

يرى أن قيمة الشخص الأخلاقية لا يمكن أن تتحقق إلا داخل حياة الجماعة. فكل شخص، حسب هيغل عليه الالتزام بواجباته والقيام بدوره والمهام التي أسندت إليه، انطلاقا من المكانة التي يحتلها داخل الجماعة. فهيجل إذن يدعو إلى الانفتاح على الآخرين وعلى الواقع، من خلال علاقة جدلية أساسها التأثير التأثر. ومعيارها يكمن في السلوك الأخلاقي الذي يصدر عن كل شخص امتثالا للواجب الأخلاقي.
فالشخص، إذن، يكتسب قيمته الأخلاقية عندما يعي ذاته وحريته ويصبح مساهما ومشاركا ومنخرطا في الروح العامة لشعبه التي تتجلى في حضارته بكل قيمها وفنونها ومؤسساتها.


ختام المحور

هكذا يتبين ان البعد الأخلاقي يمثل احد المقومات الأساسية لمفهوم الشخص، ورغم أن التفكير في أساس أو منبع هذا البعد الأخلاقي يكشف عن تنوع الإجابات أو المقاربات. حيث نجد منظور حديث يؤسس الوعي الأخلاقي على مستوى ذاتي تمثله فكرة الشخص الأخلاقية "كانط" وبين منظور معاصر يتجه نحو التركيز على البعد العلائقي للإنسان كأساس لتكوينه الأخلاقي "غوسدورف".