مهدت العلوم الإنسانية الطريق أمام الإنسان للتعرف على الإكراهات والحتميات التي تتحكم فيه، متقاطعة في ذلك مع بعض التوجهات الفلسفية الحتمية التي تنفي عن الشخص كل مبادرة للفعل الحر، فإذا كانت بعض فلسفات الوعي قد جعلت من الذات سيدة نفسها وأفعالها، فإن هناك توجهات فلسفية وعلمية كشفت على أن "الأنا" ليس سيد نفسه وأفعاله ولو في عقر منزله الخاص.
اشكالات المحور: هل الشخص ذات حرة فيما يصدر عنها من أفعال...؟ أم أن هناك حتميات وإشراطات وإكراهات تبقي حريته مشروطة..؟


موقف فرويد: الشخص ليس حرا


يرى بأن الشخص ليس حرا في بناء شخصيته واختيار سلوكاته وميولاته، لأن ذلك يتحدد وفق حتميات بيولوجية وسيكولوجية من قبيل حتمية اللاشعور، وحتمية الصراع النفسي. فاللاشعور "اللاوعي" إذن هو ذلك الموجه الرسمي، والمتحكم الخفي، الذي يوجه سلوكاتنا ورغباتنا وميولاتنا. وبالتالي لا يمكن اعتبار الشخص سيد نفسه وأفعاله ولو في عقر منزله، بل هو خادم وخاضع لأسياد ثلاثة، تتحدد في متطلبات ورغبات الهو، وأوامر الأنا الأعلى، واكراهات العالم الخارجي، مما يجعل الشخص غير حر في حياته النفسية والسلوكية.
هكذا إذن وحسب منظور العلوم الإنسانية نجد الإنسان غير قادر على بلورة سلوكاته وتوجهاته وميولاته خارج سياق الحتميات السيكولوجية. إذن فالشخص ليس حرا.

موقف اسبينوزا: الحرية هي وعي بالضرورة


ينتقد القول القائل ان الشخص حر بإطلاق، أي انه كائن يفعل ويتحرك بإرادته وليس بشيء أخر غير اختياره. ان الاعتقاد في وجود حرية من هذا النوع هو جهل بالأسباب الطبيعية الضرورية التي تحدد فعل الشخص وحركته. فالشعور بالحرية أو القول بحرية الفعل مجرد وهم ناتج عن وعي الإنسان بأفعاله، وجهله بأسبابها الحقيقية الكامنة وراءها.
لذلك فهو يؤكد أن حرية الإنسان لا تنفصل عن امتثاله للضرورة، التي تصدر عن طبيعته الذاتية، أو تأتيه من طبيعة العالم الخارجي، فأن أكون أنا الشخص البشري حرا، معناه أنني واع ومدرك لوجودي ورغباتي كنتيجة طبيعية لأسباب وعلل، هي التي توجهها وتحكمها.
إنها حرية مشروطة بالوعي وبادراك الشروط الضرورية وراء أفعال الشخص، وحركته، واختياره.

موقف سارتر: الحرية المسؤولة


يتبنى القول بحرية الشخص البشري، فما يميز الشخص هو امتلاكه حرية اختيار من يكون، ان ذاته تختار ماهيتها وجوهرها، كمشروع يحققه الشخص بذاته. الشخص ذات حرة، ومن حيث هو وجود، يختار ذاته بذاته، ويتحمل مسؤولية اختياره، فها هنا لا وجود لضرورة تُلزم الشخص بحتميتها وإكراهاتها، سواء كانت ضرورة طبيعية أو اجتماعية، وراثية أو مكتسبة... لا وجود الا لذاتية حرة ومسؤولة وبذلك يمكن اعتبار تصور "جان بول سارتر" تعبيرا عن التصورات التي تُعلي من شأن ذات الشخص، وتجعل منه كائنا متحررا من كل ضرورة، وتميزه كوجود ذاتي ذي وعي، وإرادة، وقدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية.