تجربتي مع ساق البامبو

قبل عدة أعوام قرأت رواية " ساق البامبو " للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، ولمن لا يعرفه فهو كاتب شاب سطع نجمه بعد فوز روايته هذه بجائزة البوكر العربية لعام ٢٠١٣، وهي أشهر وأهم جائزة للرواية العربية.

وبكل أمانة لم تنل الرواية استحساني رغم هالة الحفاوة والترحيب التي أحاطت بها وبكاتبها في ذلك الحين، رواية جيدة المستوى ليست بالرائعة ولا السيئة، حسنتها الكبرى أنها قادمة من عمق المجتمع الكويتي برؤية كاشفة لمشاكله وعيوبه دون تجميل أو مواربة، حتى حينما أخذنا الكاتب في رحلة للفلبين، البلد التي ترعرع فيها بطل الرواية، صور المجتمع وخاصة شريحته الأعرض الأكثر فقراً وبؤساً تصوير المعايش لا المطلع ولا الزائر حتى، ومع كل هذا لا يمكن إهمال عيوب الرواية الجلية من مط وتطويل دون فائدة أدبية ومن ميل اللغة للركاكة أكثر منها للجزالة ومن بناء مبتور للعديد من شخصيات الرواية.


عن البوكر العربي


لم أرى في هذه الرواية استحقاقًا للبوكر، رغم أن أغلبنا يعلم أن للجوائز دائماً حسابتها الخاصة وأهدافها الجلية لأغلب الملاحظين والمهتمين، الخفية عن أحاديثم، فالبوكر بالذات رغم الدور العظيم الذي لعبته في الحراك الثقافي والأدبي بالعالم العربي وكونها جائزة مرموقة، فقد عرف عنها أنها تعمل بنظام الكوته للدول العربية، مع مراعاة كونها رواية لا تزعج أي جهة سياسية كانت أو دينية، وبالطبع رواية تصلح للترجمة وتمثيل الرواية العربية، فلا يجب أن ننسى أن الجائزة شراكة بين"مؤسسة بوكر" البريطانية و"هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة" بالإمارات.

ولكن كل هذه الشروط الخفية لم تعرقل رائعتي بهاء طاهر ويوسف زيدان، واحة الغروب وعزازيل على الترتيب، من الفوز بها رغم ما أُثير حول عزازيل تحديدًا من القلاقل، كنت أسمع بين الحين والآخر عن صدور رواية جديدة له، فئران أمي حصة، حمام الدار لم أكن أعيرهم بالاً، أحجمتني تجربتي الأولى معه عن العودة مرة آخرى وانقطعت قراءاتي للكاتب.


لقاء ناقة صالحة

إلى أن جاء معرض كتاب ٢٠٢٠ وجاءت " ناقة صالحة" في طبعتها الأولى، جذبني غلافها المصور لبشر يحملون عيون الإبل، وصغر حجمها عن المعتاد من الروايات، ووجدت نفسي ابتاعها دون إحجام، كأنما قررت في قرارة نفسي أن أعطي الكاتب فرصة آخرى بعد انقطاع ست سنوات، ومرت الأيام وجاء الحجر المنزلي، لتدخل مخططات قراءة كثيرة لحيز التنفيذ، ووجدت نفسي أتصفحها.

تطور جدير بالاحترام

وإني لأقسم بانبهاري أيما انبهار بعد مضى بضع صفحات فقط من الرواية، وتذكرت موقفي عند شرائها وتذكرت معه ما قاله الكاتب في ساق البامبو " كل شئ يحدث لسبب وبسبب "، وتعجبت كيف لسبع سنوات وروايتين أن يحدثوا هذا الفارق الشاسع، نقلة نوعية في لغة الكاتب وأسلوبه وحتى أن شيئاً ما في روحه التي استشفها من بين السطور قد تغير في هذه السنوات.

رواية " ناقة صالحة" تدور أحداثها في أوائل القرن الماضي لأبطال محدودين من بدو جزيرة العرب في أراضي كويتية حالياً قبيل نشأة دولة الكويت بشكلها المعروف الآن.

الرواية تتسم بالنضج والثبات مع جرأة في ترك مساحات فارغة ليكملها القارئ بفطنته، يوجد مما سُكِت عنه بها أكثر مما ذُكِر، كأنما أراد الكاتب أن يضع مقولته " إنها الحكمة في لغة الأشياء الصامتة " المذكورة بين صفحات الرواية موضع تنفيذ فيها بسكوته .

روح الرواية تكمن في المزيج الساحر بين الحقيقة والخيال، بين التراث المسطور في مذكرات الشعراء وقصائدهم، وبين رؤيتنا اليوم لما حدث في ذلك الوقت، كما أن إبحاره في استخدام اللغة البدوية بغريب ألفاظها ومميز تشبيهاتها خلق للرواية روح بدوية خالصة، هي ليست رواية عن البدو هي رواية من البدو.

أثناء قراءتي لهذه الرواية تذكرت ما قيل عن نجيب محفوظ وقت تكريمه بنوبل مع فارق المكانة واحترام المسافات بالطبع - حتى الآن على الأقل- أنه وصل للعالمية باغراقه في المحلية، فهذه الرواية بطابعها المحلي البدوي الخالص صالحة للمنافسة وبقوة في مضمار الرواية العالمية رغم كونها عصية على الترجمة فجزء كبير من روحها يكمن في ألفاظها.

فخورة بوجود كاتب عربي معاصر قادر على المنافسة وبقوة في مضمار العالمية، فهنيئاً لسعود السنعوسي تطوره وهنيئاً لنا أدبه.