ذلك الزمن العجيب الذي نحيا فيه ونعيش نماذج مختلفة من الغرائب التي تخرج عن إطار الحق والصواب والتي تقلب الموازين رأسًا علي عقب وتجعل من الباطل طريقًا ممهدًا للسير والإتباع ..ويصبح الباطل في لحظة هو السائد،أي فتنة أكبر من هذه وأي اختبار أصعب من هذا يمكن أن نواجهه بعد ما يظهر الباطل علي أنه درب من دروب الحق بل هو الحق ذاته .. والعجب العجاب أن هناك من الناس من يدافع بشدة واستماتة عن هذا الباطل الظاهر البين الذي لا يحتاج إلي تفصيل أو تحليل.. كل مايحتاج إليه هو التأمل ولو للحظة واحدة ..

وإذا كانت الدنيا في النهاية هي دار اختبار وابتلاء فعلينا أن نخلص النية في كل أعمالنا وأقوالنا ولا ننجرف وراء أهوائنا وشهواتنا ونحاول أن نبني مواقف حياتنا المختلفة تبعًا لما تريده أنفسنا وليس كما يريده الله لنا..ففساد النية يتبعه فساد الهوية ويضيع الحق ويختلط بالباطل ونتوه في المنطقة الرمادية حيث نفقد معايير الحكم علي الأشياء من حولنا .

وللأسف الشديد أصبحنا كلنا فاسدين لكن بدرجات متفاوتة بل أصبحنا نري في اجتهادنا للوصول للحق عمل عظيم في حين أن هذا الإجتهاد واجب وضرورة بل غاية لابد أن نسعي إليها في كل خطوة نخطوها في حياتنا ..ابتعدنا تمامًا عن النقاء والصفاء النفسي والعقلي وأصبحنا مشوشين بين الحق والباطل لأن البيئة كلها فاسدة ..حتي هذه المفاهيم التي ننقلها لأطفالنا أصبحت مشوشه مغلوطه تحتاج منا إلي المزيد من التوضيح والشرح لهم والتي نقف أحيانًا عجزي عن تفصيلها لأننا غير مؤمنين بها أو لأننا لا نعرف عنها كثير بل تناقلناها كما هي بدون اقتناع أو بدون أن نعرف أهميتها، والنتيجة النهائية أن الأطفال كذلك لا يقتنعون بما نقول وهكذا حتي يأتي أول مشكك في الحقائق فنستسلم له بلا مقاومة ..وهكذا يأتي من يشكك في الأديان والثوابت ويلقي بأسس المجتمع وحقوق البشر عرض الحائط ويأتي من يحلل ويستبيح أعراض الناس ودمائهم وحقوقهم بل ويجعلهم شهداء علي ذلك ،ويصنع منهم أنصار لهذه الأفكار بإدعاء أنها ثوره جديده .. والمشكلة الأكبر أن حتي هؤلاء الصالحون الثابتون علي الحق أو هكذا يبدون يتأثرون بهذه الأفكار بشكل خفي فنجد مثلًا في قصة إنتشار الرشوي في المجتمع -وهو مثال ضيق للتوضيح -أنه بعد فتره تختلط المعاني فنجد أن الرشوي والإكرامية والمساعدة المادية أصبحت كلها بمعني واحد وتبعًا لتفكير ورغبة الشخص يجعلها بالمعني الذي يرغب فيه وهي في الأصل تعود للرشوي إذا كانت تؤديَ في مقابل خدمة ولن تتم هذه الخدمة أو المصلحة إلا بهذه الرشوي سواء كانت هدية أو مبلغ من المال .

أن تمنح شخص يعمل في مكان ما هدية أو مال لأنه قام بخدمة لك هي في الأساس حقك ليس لها اسم سوي رشوي! مهما حاولت اختلاق المفاهيم ، وإذا قمت بذلك وأنت مقتنع بالعكس فأنت تهدم قيمه من قيم المجتمع.

ونجد أيضا من يقول بسخرية واستهزاء أن مقياس القوة أصبح يعتمد علي السلطة والمركز وأن ذلك لا يجوز ولا يصح حتي يستقيم المجتمع ثم نجده في اليوم التالي لكلامه هذا يتباهي بأن له قريب من كبار الشخصيات في السلطة !

الحق يا ساده أن الموضوع كبير ومتشعب ويحتاج إلي أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب الآخرين وأن نلجأ إلي تنقيه أنفسنا وأهلينا من هذا الخبث الكامن في أعماقنا ..أن نستحي من أنفسنا قبل أن نستحي من الناس حولنا.

المعركة كبيرة والمواجهة صعبة والباطل شديد والمفاهيم في قمة الإختلاط وطريق الحق مدبب بالصخور ونحن لا نملك للفوز في هذه المعركة إلا الثبات في وجه الباطل ولن يحدث ذلك إلا إذا كنا نملك أدواتنا من دين وعقيده ثابتة صحيحة وأن نجعل منهما أسلوب حياة ومنهاج لنا ولأولادنا نسير عليه ونتمسك به للأبد لا نغير ولا نبدل وفقاً لأهوائنا ورغباتنا فلا يصح الا الصحيح ..أخلصوا نواياكم لله ..انصروا الحق ولو علي رقابكم حتي ترزقون النصر والسداد من الله ..فلا سبيل للخلاص من هذه الفوضي إلا بالإخلاص .

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطل وارزقنا اجتنابه .