بنت الشاطئ

لم تكن فتاة عادية، كانت مُغرمة بالشواطئ والمرافئ،ونفسها ضمت قلباً شاعراً ويُترجم عنها قلمها مالا يقوى الآخرون عليه فخطفت الألباب وامتلكت المشاعر بأدبها الأخّاذ ورجاحة عقلها ونبوغ قريحتها،وُلدت "عائشة محمد علي عبدالرحمن" في السادس من نوفمبر عام 1913 في مدينة دمياط وعاشت طفولتها في بيت جدها "الشيخ إبراهيم الدمهوجي الكبير" وكان شيخاً أزهرياً،وكان أبوها شيخاً صوفياً فانتقل بأسرتها لقضاء عطلة الصيف في إحدى قُرى محافظة المنوفية وهناك حفظت القرءان الكريم وأشعار العرب وتعلمت العلوم العربية والإسلامية حيث كانت تحضر مجالس العلم مع أبيها الشيخ الصوفي 


كفاح من أجل طلب العلم

عادت إلى دمياط وجدت أنّ أقرانها يذهبون إلى مدرسة متحضرة فطلبت من أبيها الالتحاق بالمدرسة فرفض رفضاً شديدا ومصراً على أن المراة تلزم بيتها، ولشدة وَلَهِهَا بالمدرسة وشغفها بالعلم، طلبت من جدِّها أن يُقنع ابيها بضرورة الالتحاق، فوافق أبوها على أن تلزم البيت بعد سن البلوغ، اجتازت المراحل الإبتدائية الأولى بسهولة بل أدهشت مُعلميها، لما بلغت الثالثة عشر رفض والدها استكمالها للدراسة فلجأت لجدها هذه المره ولما حَمِي النقاش بينهما خرج الجد من البيت غاضباً إلى أن اصطدمت به دابة فكُسِرت ساقه ولَزِمَ الفِراش وبقي لهذا الحادث أثره في نفس بنت الشاطئ وكانت تلازم جدها لذالك،سافرت لإكمال الدراسة بحلوان والمنصورة ثم طنطا وواجهة الأهوال والمشقات في سبيل ذالك لأنها تَحَدّت والدها والذي كانت تخافه وتهابه وفي كل مرة كانت تظن أن الأمر انتهى فإذا بانفراجة تُخرجها من المأزق وتفتح لها طريقاً من نور فحصلت على دبلوم المعلمات ثم شهادة البكالوريا وفي يوم اختبارها حيث استظهرت أمام اللجنة ما تيسر لها من القرءان والشعر العربي وقرأت عليهم قصيدة لها فنصحوها أن تنتقل للدراسة في الجامعة،


حياتها الجامعية والعمل بالصحافة 

وفي عام 1935،التحقت بالجامعة بعد يأسٍ من طلبها فالتحقت بوظيفة سكرتيرة في كلية البنات وهناك كانت بدايتها مع الصحافة حيث أرسلت مقالة لجريدة تتحدث عن الريف والتي أدهشت القُرَّاء ورئيس التحرير فطلب لقائها، وراسلتها صاحبة مجلة "النهضة النسائية" وطلبت منها العمل بالمجلة بمقابل، بالإضافة إلى مقالات لها نُشرت في مجلة الهلال، انعزلت فكرياً ونفسيا عن الجامعة كانت الدروس بالنسبة لها مفهومة حيث تلقتها في بيئتها الأولى وتبدو الفكرة ساذجة بالنسبة لها، كانت تخشى ان تغيرها المدينة فدائما ما تشتاق إلى الجلوس في جامع البحر وقراءة كُتب التراث، كانت تكتفي بمجالس العلم الأولى التي تلقتها في العلوم العربية والشرعية، كانت في ريب دائم من الجامعة، حتى سمعت ذات يوم بأستاذ اسمه "أمين الخولي" قال لها الطلاب بأنها لن تترك كلمة مما يقولها الأستاذ حتى تكتبها، لم تعير اهتمام لذالك، رغم إنها كانت تظن أنها التقت هذا الأستاذ من قبل، ذهبت في يوم إلى شيخها تسأله عن "لماذا ندرس لغة الإفرنجة" فدُهشت لما أجابها ان الشيخ محمد عبده ذهب إلى فرنسا نفسها، وكذالك امين الخول، كانت لم تستوعب بعد الصدمة فزاد ذالك من اعتزالها النفسي، كانت تخشى أن تغيرها الجامعة، وقبل ان تلتقي أمين الخولي قررت أن تراجع كل ما تعرفه عن علوم القرءان والتفسير، وفي محاضرته طلب بحثاً فأصرّت أن تنهيه في يوم، فصدمها أستاذها بأنها قد لا تحسن القراءة فتمالكت انفعالها وصمتت،لم تكن تعرف الفرق بين المصدر والمرجع، لما حاضرها أستاذها أدركت ما يُعنِيه من "قراءة" لقد كان لقائها بالأستاذ أمين الخولي لحظة فارقة، أدركت فيها معنى الوجود، رغم أنها تقف حائرة بين الحياة والموت دائما وتقول أنها قطعت كل هذا الشوط للقائه