أنتَ أنتَ، لن يُستعاضُ بغيرِكَ لإكمالِ حياتِك، ولن يتبرّع أحدُ المارَّةِ لعيشِ بعضَ السنواتِ من عمرِكَ بدلًا منكَ، لا يُتاحُ لكَ الجلوس على كرسي الإحتياط وترك البقيّةِ يشكّلونَ مباراة حياتِكَ كما شاؤوا!

أنتَ أنتَ، صاحبُ قصّتِك وبطلهَا، ليسَ اجترارًا للتنميةِ البشريّةِ ولا أحبّها ولكنّي أقصُّ عليكَ واقعًا يأباهُ عقلُك الفذّ. 

أنتَ بجمالِكَ وبؤسكَ لا تتكرَّر، بسوئكَ وتميّزكَ لا آخرًا مثلك، قد تتشابهُ صفاتك مع غيرِك ولكنها لن تتطابَق، لا أحدًا يملؤُ مكانَك، ولا غيرَكَ يقوىٰ على قطعِ طريقِك مثلك، لا عابرًا يدركُ منعطفاتِ روحك والحوادثَ التي حدَثت عند حواجزِ حنايَاك ولا قريبًا يعي كيفَ يكونُ ذبولك، كيفَ تشعرُ بالألم، كيفَ بإمكانِ شعرةٍ أن تقصمَ ظهرَك ولا غريبًا سيقدِّرُ طهرَ قلبك! 


تحاولُ الشرْحَ مرارًا وتكرارًا إلى حينَ الزهدِ من قلةِ استيعابِهم، ولكنّك المخطئ؛ هم يستوعبونَ الظاهر، يفهمون ما يُباحُ به، يدركونَ ما تردده أنتَ على مسامعِهم متظاهرًا بأنّك تقولُ كلّ ما فيكَ ولا تعلم أنّ كلّ كلمةٍ تقولها تحوي بينَ ذراعيهَا آلافَ الكلمَات.. لذا لا تلُم، اقنع بكونِك لن تلجَ قلوبهم وتغرسُ شعورك فيهم، ولن تتحكم في عقلهم ليشعرُوا بما أردت أن يشعرُوا، لا تتوقّف عند هذه المحطّات وتتركَ طريقك الأساسيّ، لا يشغلْكَ مساحاتُ الاستراحَاتِ وتغريكَ ألفتُك لهَا، لا تلتفت ليدٍ تجذبكَ لمقاعدِ المنتظرِين ولا يهفُ قلبُكَ لأسرابِ الهائمينَ بلا وِجهة..


طريقكَ لن يُقطع بغيرِك شِئتَ ذا أم أبيت، وعراقيلُ سبيلِك لن تُزالَ بجهدِ غيرِكَ، والعجزُ لن يسترجي الركبَ لينتظرَك، والركونُ لن ينادي في الجمعِ أن أوقفُوا قطارَ الحياةِ فصَاحِبكُم هذَا بحاجةٍ إلا مئةِ عامٍ من الرّاحةِ، الركبُ سارٍ والحياةُ مهرولَة والناسُ على عجلٍ تمضِي في سبيلِهَا وأنتَ ستظلُّ هنا إن لم تنهضْ بك، إن لم تزل الغشاوةَ من على قلبِكَ لتدركَ أنّك معجزةٌ تسيرُ على الأرضِ أنّك هنا للإعمارِ لا لفسادِ العمار، أنّكَ أجملَ من أن تحزنَ وأقوىٰ من أن يأكلُ جهدَك أملٌ زائفٌ في وهمٍ لم يتحقّق..


قد يقلّ عطاءُ نبعِك لكنّه لن ينضب، قد تعاني الظمأ روحُكَ لتشعرَ بتدفق الريّ من كلّ عينٍ تبتسمُ بداخلِك ولا تضنّ عليكَ بسلسبيلها، قد يلينُ غصنك لكنّه لن يُكسَر! 


نورُكَ خافتٌ ولكن سراجُكَ باقٍ، جهدُكَ تبدّدَ ولكن أنفاسُك ما زالت هُنا، ما زالَ النسيمُ يهدهدُ روحكَ، ما زلتُ تبتسمُ للأشجارِ على الطريقِ كلما نظرتها من نافذةِ السيارَة، ما زالت العصافيرُ تنبؤكَ بشيءٍ يسرُّ، وما زالَ فؤادكَ يخفقُ كلّما رأيتُ شخصًا تحبّه.. الآدميّ بداخلِك لم يمُت بعد، وبعدَ موتِ روحِك هذا بعثٌ من بوتقةِ نور، وانتفاضةٌ من كوّةِ الرّكودِ القتّال، وانهمارٌ يجعلكَ تزاحمُ قطراتِ الغيثِ لتحلَّ بالخيرِ على أرضِ الله! 


ما زلتَ أنت هُنا، وما زالَ الخيرُ فيك، فلا تحزَن يا صَاحِبِي؛ إنَّكَ بـ أمَّةٍ!.