أجلسُ دائمًا خلف نافذةٍ صغيرة، أنظرُ للسماءِ وأرى في صفحتها كل من فقدتهم. وأكتب إليهم كما أكتبُ إليك، واليوم تبخّروا من خاطري بين النجوم ولم يرَ قلمي في السماء إلا تقاسيم وجهك، ولم يتعرف قلبي من بين زخم النجوم إلا على نورك.

 فدوّنتُ إليكَ، وأنا أزعمُ -كزعمي قبلًا- أنّي أكتبُك لا حبًا ولا بغضًا، لأول مرةٍ أقف على خطٍّ محايد، لا أعلمُ أيّ درجة قلبيّة أعتلي فيها منبر الخطاب، ومن أيّ جهةٍ آتيكَ بكلامي، وبأيّ أسلوبٍ أدخلُ عليك محرابك الغريب الذي لم يعد يعرفني وأعرفُه.

وقد أرغمتُ نفسي -زعمًا- الوقوف هنا في المنتصفِ، حتى لا يأخذني الحزن عليكَ مآخذًا لا أطيقها، ولأنّي لا أستطيعُ عواقبَ أن أتشبّثَ برفاتك، فتبقى غصبًا وقد ضنّت بك أمّنا الأرضُ، وأبت إلا واحتضانك.

خشيتُ أن يصلَ إليك أصواتُ زمجرةِ قلبي، وبكائه وهمهمتهِ فكتمتُ ما ألاقيه طمعًا في وصلٍ غير منقطعٍ، وصلٍ أبديٍّ غير مهدَّدٍ، وأسلي نفسي دائمًا بما كان بيننا من ودٍ، وصدقٍ على البقاءِ لا تتفلّتُ يداك من يديّ ولا تهربُ يدي من يديك.


يا صاحبي، قد جمعت الأيامُ حينًا شملَنا، والطرقُ آوَت أقدامنا، وأذنت لنا المفاجئاتُ بعيشهَا

وأذنَّا للأيامِ فعاشتنا.

الزمنُ جاد علينا بلقاءاتٍ كثيرَة، والهواءُ بين كفّينا تقلّص لأغراضٍ كبيرة، أوّلهما أن أتشبّث بك، وأحمِّل رأسي على كتفِك وأستّفُ بنظراتِ ودّك شعث قلبي، وأروّضُ بلطفِ حديثك استذئاب نفسي، وكلّ ذلك وأنا وأنت خائفينِ نتحاشى شعورنا ونتجنّبُ قلقنا، ونبسمُ للأقدارِ كالذي لا يعرفُ من القدرِ مفرًّا إلا القدر.


كنّا نعلمُ أنّ يومًا أحدٌ منّا مفارقٌ، لن يطول عهد البقاءِ أبدًا، وكنتُ بدوري الأضعف أبثّك عهودَ البقاءِ على الدوامِ وأختمُ عهدي بـ: إلا إن أتى الموتُ.

رغم امتعاضك للسيرَة، ورغم عبوسك إن ذكرتُ حروفَه غير أنك قد قنعت بذلك ورضيت، وجعلت تردّد معي ربّ أمتنا سويًا وابعثنا سويًا وأدخلنا الجنةَ معًا.

وكان أملك ألا يسبقَ أحدنا الآخر، وألا نفترق، وأن نبقىٰ، وكان للأقدار تدخلَاتها، فأخِذت مني.

ممّا لا يُبقى عليهِ أمدٌ؛ ميّتٌ ضمّه التراب، حنين الأرضِ عليه قد يكونُ أكثرَ من حنين الأحياءِ على مثله!

ولكنّي ما كنتُ يومًا لك حيًّا كما كانوا لغيرِهم أحياءً، فأكونُ لك ميّتًا كما يكونوا لموتاهم.


ودليلُ بقائي عليك كتابتي هذا! 

أيقرأ ميِّتٌ؟ لا.. ولكن يُقرَأ الميِّتُ

فخلّدتك بين أسطري، أنثرُ في رفاتك فيضًا من حبري، فتشكّل جُملُ نصّك ذاتها أمام ناظري، كلّ ما أفعلهُ أني أخيطُ نورَ خفِّتك، بثقلِ الظلامِ في الورق، ليزنَ بعضكم بعضًا، فتقرّ في دفتري، وتهدأ ثورتُك في الهواء.

كلّ ما أفعلهُ، أنّي أخرجك من رئتيّ لعينيّ، ولساني ويديّ، أني أثيرُ مكمنك فتسكنُ جوارحي كلّها، وأنغّصُ مَرْقدك فتهبّ في وجهي غاضبًا وتدبُّ فور غضبتك فيّ حياتي! 

وإن كان هذا ضربٌ من خيالٍ ولكنّي اعتدتُ العيشَ فيه.


صباح يوم الإثنين قبل شهرين، في العاشرة صباحًا، جلستُ على واحدٍ من مقعدينٍ متجاورين اعتدتُ مشاركتك إياها، وقررتُ إحياءَك فيّ بصورةٍ ورقيّة يقرؤها الناس ويعلمونها، رسمتك في مقتبل الصفحة رسمَ جاهل بما يفعل، حاولتُ إيجاد عنوانٍ لما سأحكيه لك وبك فلم تكتب يديّ سوىٰ [الفراق!] 


الفراقُ..

العنوان الكبير الذي تُقدّم به أشهى الكتب، وتعنون بهِ أدهش القصائد، وتحتضنُ تفاصيله الحكايات.

كان الموتُ فصلًا من فصوله، ولكنّي لم أنتبِه.

كان خوفي من الأيّام من نزغ الشيطان، ومن كل الأسباب الواهية التي قد تنتزعُ روحًا من حبيبتِها، وتفرّقُ بين خطوةٍ وأختها، فتطوّلُ الطريقَ على واحدٍ دون الآخر.

كان خوفي من المسافاتِ التي تتربّصُ بكل قربيْن فتلقي نفسهَا في محضنٍ بينهما، لتقصي الداني وتدني القاصي، وتضعُ هذا على طرفِ الكُرة، وذاك على الطرفِ الآخر.


كان خوفي من النّبضات، من الخفقات، أن ينزعُ الصدقُ نفسه منهما!

فتموتُ بيننا زهرةُ الإخلاص، ويضنّ كلٌ منّا بسقياها.

كان خوفي من أن تلتفت عينكَ عنّي، أو ينزلَ منزلتي غيري، أو تراني في مكانٍ فيك غير الذي اعتدتَني فيه، أو تمدّ يديك فلا أمسكهَا

وأتّكئُ عليك فلا يحملني كتفُك، كان خوفي من كلّ شيءٍ.. حسبتُ حساباتِ كلّ شيءٍ، عدا الموت، فكان أولُ خطرٍ يداهمنا، لم يسمح لنا بتذوقِ مرارةٍ تقدّمهُ، أو فجيعةٍ تمهّد مجيئه، جاء ببهرجةِ النوائبِ كلّها لقلبٍ وحيدٍ ضعيفٍ لا يملكُ من أمرِ قوّته ما يقيمه بعد هذا الانكسار!


يا صاحبي، قبرُك فيّ.

شاهدُه قائمٌ في قلبي دائمًا، محفورٌ عليه اسمك، كلّما غطّته الفجائع بعده أسرعتُ إليهِ وأزلتُ عنه ما قد يحولُ بيني وبين الشعور بهِ

لم أعتد تخليدَ حزنٍ، يعرفونَ عنّي فراري من الأحزانِ كلّها.

ولكن الحزنُ عليك تسليةً لبقائك، وتمكينًا لجمالك، وإبقاءً على العهدِ بيننا، عزمتُ ألا أنسَاك وألّا أغفلُ عن شاهدٍ يحملُ منك ما لم يوارِه الثرَى، يحملُ فيّ اسمك..

وبين جوانح اسمك خدعتُ الدهر وخبأت بقاياك

وخدعتُ الموتُ وخبأتُ بعضًا من أنفاسك

وخدعتني، ووهمتني بأنك معنَا، يومًا نراك وترانا

يومًا نربتُ على كتفك بعد طول سفر، فتربتُ على كتفنا بعد طول انتظار.


يومًا، نلتقي ويكونُ اللقاءُ أبدًا

أهنّئكَ وتهنّئني، ونُشهدُ الملائكةَ على صبرنَا في الدنيا، ومكانتنا هناك..إن قُدّر لنا يومًا أن نكون هناك.


في الجنّة، ننسى الهمّ

ونلتقي، وتجيءُ إليّ في حللٍ بهيّة وطلّةٍ وضيئة وأنا أستقبلك بمشاعرٍ غير التي أتلفها الحزن، ووجدانٍ غير الذي التهمتهُ الأيام، ونذهبُ لربّنا قائلين:

إنّا كنّا من قبل ندعوك، إنك أنتَ البرّ الرّحيم.

فقد كانت يا ربّنا في الدنيا، كلّ الفراقاتِ غير الموتِ تهونُ، وقد ابتلِينا بنوافذٍ تطلّ على شوارع الفراقِ، وتحبسُ خلفهَا مفجوعيه، لا نجدُ غيرها منفذًا، ولا نجدُ غير من خلفها مؤنسًا.


إنِّـ(ـ)ـا إليْك.