كزهرةِ عبّاد الشّمس. ككلِّ الكلِمات العزيزة التي ظلَّت في الذاكرة، ورغِبَ عنها النّسيان. كعنوان كتابيَ المفضل الذي أضعهُ دومًا فوقَ كل كتبي، على الرف الأوّل دائِمًا. 

هكذا وددتُ أن أُعرِّفها وَمثلما أعرِفها، وكلّ شيءٍ عنها سِوىٰ شيء أوحد أودُّ لو أعرِف إجابته!


صفحاتُ كتابٍ أو سطرٌ عفَوي؟ سأل. 

صمتت لثوانٍ. طلبت منه توضيحًا لكنّه أجاب "ستبدي لك الأيَام ما كنت جاهِلًا" وَضحِك. 

ليلتها جافاها الكرىٰ. لم تعد تدرِك أينَ المفاجأة، والجانِب الحلو من خِتام ذاك الحديث. ضحكِت في كلتا الحالتين.

 قالَ شِعرًا وَما هو بِشاعِر، حاشَا لطَرفةَ ذاته أن يقولَ بيت شِعره مثله. ضحِكت للفكرة. لكنّها أحسّت بقلبها يضحك. ليسَ علىٰ الفكرة طبعًا. لقد جعلت ضِحكته قلبها يضحك ملء الحياة، ونامت. 

في الصّباح وَجدت في صِندوق وارد الرسائل "صباح الخير". "صباح النور" أجابت. أتاها الرد من جديد "أنتِ فقتي. الشّمس طلعت عنا". اِبتسمتْ.

"لا أحدَ يرىٰ أثر الفراشةِ فيك". أسرَّت لنفسها. 

في مساء يومٍ ربيعي آخر كانت تقرأ في روايةٍ ما حتىٰ وصلت عِند عبارةٍ خالتها بحوافٍ، تقول: "أتىٰ بالبلد كله كأنه كان يحمله لي معه وتركه سرًا وَمضىٰ" وعبارةٍ سبقتها من ذات الصفحة وقد كانت "كنتُ أعرف أننا سنلتقي". اِلتقطت صورة لصفحة كلتا العبارتين وأرسلتها إليه. قال: "ليش هيك بتمثل الواقع؟"... 

لم تسمع إجابته السّابقة. لقد سمعِتْها: "كنت بعرف إنه رح نلتقي"، وأيضًا "جيت وجايبلك البلد معي".

في اليوم الثالث أرسلت كاتِبتنا رسالةً، ماهيتها ما يلي:

العزيزُ وَالغالي جدًا، 

تأسِرني كتبُ اللغة، وِكلماتها، وَعِباراتها كما تعرِف. لكنّك كذَبت علي طوال الوقت. لم تكن لترسِل إليَّ اِقتباسات باللغة الفصحىٰ. ولم ترسِل إليَّ كتبًا وتقول: هاكِ كتبًا، وليزيد نُهاكِ تجمُّلـًا وجمالـا! 

لم تسبِق اِسمي بالعزيزة، وَلم تُخبِرني بأنَّ عِبارات اللغة في بعض الأحيان إسراف! 


لقد فهمتُ اليومَ قصدَ سؤالِك. أنا اليوم أحترِمه كثيرًا وأرتديه في عنقي عقدًا لا ينقطِع. وأجيبك بإدراكيَ المتأخر ليلتين بأنَّ سطرًا عفويًا من قلبِك يصِلُ حتىٰ غايةِ قلبي، كما البلد. 

بأنَّ عاميَّة العِبارات التي تكتبها، أو تحكيها تُعمِي القلب عن الفصحىٰ فلا يميل لألوفِ عباراتِ الكتب عن سِواها. 

                                                               وبينّا مَعاد. 


في يومٍ ربيعي، نيسانيّ وبعد عام وجدتُ مظروفًا طالَ اِنتظاره فوقَ كتبِها المتراصّة بعضها فوقَ بعض. لفتنيَ الأمر، وانتابني الفضول. أمسكتُ بالمظروف الذي لفتتني كذلك الفراشات الزرقاء التي تتالىٰ علىٰ زواياه الأربع،  وقد كتبَ علىٰ وجهه "أثرُ الفراشة لا يُرىٰ، أثرُ الفراشةِ لن يغيب. وأنتِ فراشة آثرها بغيّر جيل". قلتُ: سطرٌ عفوي. ضحِكتُ، وأعدتهُ حيثُ كان. 


- رُدانـة الشهابي.