لا أعلم من أين أبدأ لكثرة الأحداث، لكن سنتوجه إلى ذروتها..

بعد بلوغي السابعة والعشرين كثرت كلمات من حولي كعادة مجتمعنا لما لم تتزوجي للآن!، فاكتفي بذكر لم يأتِ النصيب بعد وأتبعها بابتسامة خفيفة تظهر على وجهي و تخلق داخلي وجعًا.

قدرًا تطوعت لعمل خيري تابع لاحدى المؤسسات العامة و كانت هناك قافلة متجهة لصعيد مصر ، كان قائد القافلة شاب يدعونه "عمر" كان خلوقًا يتسم بالرزانة و الوقار

_أنتِ جديدة أليس كذلك؟

-نعم.

_شرفنا بكِ.

كان حديثًا قصيرًا ولكن لا أعلم لما كنت سعيدة؟ يجوز لأنني لم أحظى بترحاب من قبل لانطوائيتي التي دامت لسنوات!، أم لأن تلك المرة الأولى التي أرى شخصًا بذاك الرقي والأخلاق! 

انتهت مهمتنا و اثناء عودتنا تعطلت الحافلة التي ستقلنا، ما كان علينا سوى أن يشق كل منا طريق عودته للقاهرة بالقطار، هنا كانت أزمتي الجميع مندمجون معًا و أشعر بوحدة رغم كل من حولي لم أجد أمامي سوى ان اسال القائد وصراحة كنت أود اختلاق حديث معه في اي امر.

-عذرًا، لكن لا أعرف طريق محطة القطارات 

_أين تقطني؟

-الاسكندرية.

_حقًا، انا ايضًا.

-صدفة غريبة(وابتسمت فرحة)

_كلا، قدر 

-ماذا تعني؟

_إن كل شئ خلقناه بقدر، لا يوجد ما يسمى صدفة كلها اقدار تتلاقى

-صدقت

و التفت ونادى على البقية وقال: "هيا سنذهب لمحطة القطار سويًا لن نذهب فرادة"، وشاء القدر أن نستقل مقعدين متجوارين كنت غامرة بالسعادة، ولكن ظل صامتًا، وبعد مضي بعض الوقت كان لديه كتاب للأدب الجاهلي لا اعلم ما اسمه فقط لفت نظري أبيات شعرية آسرتني حتى أكملت القراءة ونسيت أن الكتاب ليس بيدي، وما إن أنهيت قراءة الصفحة حتى سكنت قليلًا ثم رفعت رأسي رأيته غارقًا في الضحك، وما زلت في حالتي تلك حتى قلت له:"يا فتى اقلب الصفحة لنكمل القصيدة"! ولا اعلم حقًا من أين اتاتني تلك الجرأة في الحديث.

_نكمل! أنا لم أقرأها بعد.(كان ضاحكًا)

للحظة حمرت وجنتاي من الحرج حين أدركت الموقف و زال عني تأثير جمال الشعر

-اعتذر...

_تحبين الشعر؟

-أحب الأدب بفرعيه.

_حسنًا تفضلي فأنا قرأته من قبل.

_شكرًا، آسفة أكمل قراءتك.

_أخبرتك قرأته من قبل.

-كلا أشكرك.

_كما تشائين.

ساد الصمت حتى غفوت و ما إن فتحت عيني حتى رأيته يتطلع نحو النافذة وحين انتبه لاستيقاظي قال:"عذرًا يا....لكن مااسمك؟

-مريم، اسمي مريم

_عذرًا يا استاذة مريم كنت اتأمل الحكاوي

-أي حكاوي؟

_حكاوي الطبيعة.

لم افهم ما قاله لكن سكتت وابتسمت حتى لا يلحظ اني لا افهم ويضحك على سذاجتي. وحين وصولنا اخيرًا وقبل مغادرة المحطة اعطاني الكتاب قائلًا: "اكملي قراءته بالبيت"، لا اعلم كيف مددت يدي واخذته وشكرته ومضيت في طريقي.

ومضى أسبوع وأنا كلما أنظر للكتاب أشعر بالفرح و كثيرًا ما وددت أن احادثه أو القاه ثانية، ولكن كيف السبيل لذلك! وفجأة تذكرت أن المؤسسة تجمعنا على الواتساب أي استطيع الحصول على هاتفه وبالفعل وجدته، ولكن تذكرت دائمًا ما تردد على مسامعي ونشأت عليه (الطريق الذي يؤدي لمعصية الله انقطع وانفصل)، وصمت قليلًا وقلت في نفسي أين المعصية فقط سأشكره على الكتاب وصار داخلي صراع حتى خبط الكتب جميعها فسقطت ورقة تحوي (يجري الشيطان في ابن ادم مجرى الدم)، كان هناك الكثير من الكلام حولها ولكن وقعت عيناي على تلك الجملة تحديدًا وخاطرتني أن تلك صدفة! كلا بل كما قال لي هو قدر.

ومضى اسبوعًا اخر وكلما تذكرته أدعو له حتى اشتغل حرف الباء مكان اللام وصرت أدعو له وبه، مرت ايام وكانت بمثابة سنين حتى اعلنت المؤسسة عن قافلة جديدة للإطعام بقيادته، واخيرًا رأيته ثانية كانت روحي كالنبتة الجافة وارتوت برؤية ابتسامته♡ 

_كيف حالك؟

-الحمدلله 

_أعجبكِ الكتاب؟

-كثيرًا 

وبعد الانتهاء من المهمة، اتصلت عليَّ احدى صديقاتي لتدعوني لعرسها و اثناء تهنئتي لها، اعتذرت منها عن الحضور لأني لا اندمج في اجواء افراح هذا الزمان. وانهيت المكالمة وسارعتني احداهن بالسؤال لما لا تذهبين تفضلين الكآبة! 

لم اكد اجيبها حتى هم هو بالرد قائلًا: "وهل في اعراس هذه الفترة فرح فقط موسيقى صاخبة تؤذي الآذان بكلمات بذيئة أي فرح فيها"؟، تبسمت لأن كلامه هو ما بداخلي وكأني من اتحدث.

ما ان نظرت انه يقف منفردًا حتى توجهت اليه وشكرته مبتسمة وقلت:- قد اجبت نفس اجابتي لكن اسرعت بالاجابة عني

_لم اقصد ولكن لا اجد بهجة في ذلك

-لا بأس انا ايضا ارى ذلك، اتسمح لي بسؤال؟

_بالتاكيد

-كم عمرك؟

_تسعة وعشرون(ضاحكًا)أ هذا سؤال؟ 

-كلا السؤال قادم

_وما هو؟

-لما تفضل العزوبية عن الزواج؟

_ومن اوحى لكِ بذلك! بالطبع افكر في الزواج لكن لا زلت لم اجدها بعد.

-تبحث عن من تشبهك أليس كذلك؟

_كلا ابحث عن من تكملني.

-وما الفرق؟

_لا ابحث عن نسخة مطابقة لي تشبهني اريد من يكمل ما يشغل فراغ روحي لنصبح كيانًا واحدًا تتناغم روحينا ويرى ذلك التناغم كل من يرانا. وأنتِ كم عمرك؟

-سبعة وعشرون، وقبل سؤالك لا أعلم لما لم اتزوج ولا اعلم عما ابحث.

_لكن انا اعلم.

وانصرف بهدوء وتركني في ذروة حيرتي يعلم ماذا! أنا نفسي لا اعلم أ كان يسخر مني؟، ولم يمر يومان حتى وجدت رسالة من رقمه بها"أ تسمحين بمرافقتي دربي في الدنيا ونلتقي بالجنة"؟ تخشب جسدي دقائق وعقلي لا يستوعب ما يراه انا لا احلم هذا رقمه وانا سجلته وهذا الكلام لي ورددت ذلك مرارًا حتى ارسلت له"انا"؟ فاجاب على الفور"نعم"  لم استطع الرد انخلع قلبي من بين اضلعي يرقص فرحًا، وكي لا أطيل فقد خطبني ثلاثة أشهر ثم عقدنا القران♡

_لدي اعتراف لكِ، فقد كذبت عليكِ مرة واريد مصارحتك بالحقيقة

-متى كذبت؟

_لم اقرأ كتاب الأدب من قبل كانت تلك المرة الأولى، ولكن اهديتك اياه لأني تيقنت بانه سيعود لي ثانية مع اجمل هدية للقدر.

-حسنًا سامحتك، ولكن كذبت مرة اخرى فاعترف

_متى؟

-حين اخبرتني بانك تتأمل الطبيعة كنت تنظر الي

_واين الكذب كنت أتأمل القمر أليس من الطبيعة!

-كنا نهارًا يا عمر هناك قمر بالنهار؟

_كلا كان القمر جواري♡

-من أين تأتي بهذا الكلام!

_الذنب ذنب عينيكي ما إن نظرتا إلي حتى اخترقا قلبي ففاض بشعوره الذي ضمره لسنوات

-كيف عرفت انك تحبني؟

_حينما سألني احدهم ماذا تشعر نحوها فلم استطع اجابته بوصف شعوري، الحب لا يوصف يا عزيزتي.

-أنا لدي سؤال لم تجبني عليه، ماذا كنت تعلم حينما اخبرتك اني لا ادري سبب تأخر زواجي؟

-لتلقي بي. لم تتأخري أنتِ جئتني بمعادك المناسب، الأقدار تتلاقى دون دراية منا بوجهتها لكنها دائمًا تتجه نحو ما يناسبنا ونسعد به.


♡من سلم قلبه لله وقاه و رعاه و سعد بدنياه و تمتع بنعيم الحياة♡