القلوب أراض غير مملوكة لأحد، نعم ذاك القلب في صدرك لا سلطة لك عليه!

متقلب، غير مفهوم، ضد المنطق والعقل...

لطالما سمعت مثل هذه الكلمات حينما يهم أحدهم بوصف ما حل به مُختتمًا حديثه بـالحب شعور لا يُوصف، وإن كنت لا اختلف مع هذه الرؤية فلا إمكانية لوصف شعور الحب ولكن التسرع في وصف أي شعور في الصدر أنه حب خاصة من الوهلة الأولى فربما يودي بصاحبه في صراعات للعواطف لا حصر لها.

فشتان بين محب ومفتون يا سادة: أغلب ما تكون من مشاعر في بدايتها تكون افتتان بشتى طرقه، وكثير مما رأيت وسمعت فيكون بحثًا عن شعور الحب وما يتبعه من لذات وإن كان بها من آلام كالشوق والاهتمام ولهفة رؤية الآخر واضطراب القلب، بدهي أن يصنف المرء ذلك بأنه يحب، وإن كان لا يدري عن الآخر أي شيء! 

وبُنيت الكثير من الزيجات تبعًا لذلك وبالله رأيت حالات طلاق بعد أشهر قليلة من الزواج وتنطلق ألسنة الناس بالحديث والتعجب من حدوث ذلك ألم يكونا متحابين!

كلا على الأرجح كانا مفتونين ببعضهما ويصعب التفريق بين إن كنت أحب فلانًا أو فقط أنا مفتون بما رأيته منه أو هناك ما لامس منه شغاف قلبي فتصبح بصيرتي عمياء أو بالأدق أصبح راسبًا.

ما جعلني أحرّف قليلًا المقولة الشهيرة "الحب أعمى" لا أعلم ما كان يجول في رأس كاتبها حينما كتبها ولكن الحب يُعمي عن فعل يُغفر أو بمعنى آخر يفتح سبيلًا للتسامح، لكن الافتتان أعمى؟ فنعم، المفتون بشخص لا يرى سوى ما يود أن يرى لتبقى لذة افتتانه دون الاكتراث لما سيتبع ذلك من عواقب "ورب فاكهة تغريك قشرتها واللب يرتع فيه الدود والعفن" أو يكون شخصًا جيدًا لكن لا يناسبك وما إن تزول فترة الافتتان المُصنفة أنها حب حتى ينفر الطرفان من بعضهما لتصير الحياة بينهما شبه مستحيلة فينفصلا أو يستمرا بتعاسة، لكن الحب أعمى فإصابة القلوب فكلا مالك القلوب هو الله من يلقي ينثر بذور المحبة في أراض القلوب وتكون معظمها اختبارات عظمى!

وربما يكون ذلك حب؟ فنعم قد يكون، ولكن ببعض من المقاييس والتروي، ويكون ذلك بين المرء ونفسه لكشف ما يواجهه بسؤال نفسه عما يمكن أن يقدمه للطرف الآخر وهل باستطاعته توفير ما يحتاجه الآخر؟ وهل بإمكان الطرف الآخر توفير احتياجي وماذا باستطاعته أن يقدم؟ وماذا سنضيف كلانا في حياة بعضنا؟ وتختلف ماهية الأسئلة بحسب كل شخص وأولوياته.

حسنًا، ولماذا كل ذلك؟

من وجهة نظري التي قد لا يتفق معها الجميع: أن كمال الحب يكون بين الزوجين وخاصة عندما يبلغا سويًا من العمر أرزله ويظهر بينهما في تناغمهما فترى روحًا واحدة في جسدين، وبدهي أن يكون ذلك الحب في أسمى صوره، فتخيل أن اثنين يمكثان معًا أغلب الأوقات أحدهم يعمل كادحًا ليوفر احتياجة من يعوله ويلبي حق عبوديته لربه بتعمير الدنيا ورُقي مجتمعه، والآخر يهتم لتوفير راحته حتى يقوى على الاستمرار، أن يكونا بينهما صغير فمه يشبه أحدهم وعينيه تشبه الآخر، اثنان أقاما بيتًا متحملان ما يتبع ذلك من مسؤولية ومؤزارة، فما إن تهب أي عاصفة مهما كانت شدتها ومصدرها فتستمر الحياة بينهما هادئة وما دمنا سويًا فعلى الدنيا السلام! أن يتحمل كلا منهما ما يمر بالآخر من صعاب ويهوّن عليه، أن يكون جل هم الطرفين تأدية حق الآخر عليه وبالتالي فالحقوق ستتوافر دون طلبها، نسيان العناء حين رؤية ابتسامة الآخر، حين تضيق الحياة به ذرعًا يكن حبيبه الركن البعيد الهادئ عن ضوضاء المشاغل وكبد الحياة، أن يدركا أنهما في دار زائلة ويسعى كلاهما لبناء منزل أجمل وأرقى لدار البقاء هناك خلف باب الجنة حيث يلتقيان دون فراق، هكذا الحب وحياة المحبين تعتمد على المشاركة أو بالأحرى تعتمد على المتوافقة قلوبهم يسقي كلاهما أرض الآخر فتُزهر.

فالحب أمان والقلوب أوطان فانتقِ بأي أرض تستوطن لتحيا، يجدر بك أن تختار أرض تناسب الحياة يتوفر بها ما أنت بحاجة إليه وإلا كن على تلك الأراضي لطيفًا واغرس زهرة جميلة وامضِ في سلام مرّ كريمًا بلا ضرر، طيب الذِّكر، طيب الأثر.

وما خُلق القلب إلا للحب، ولا حب في قلب لم يدرك ماهية وظيفته، ولا خير في قلب لا يُحسن رعاية ساكنيه إرضاءًا لسلطانه الوحيد ولا خير في قلب تآله فيه غير الرب.