""...إليهِ..

إلـــــى الذي سأُعلّمه كيف يكونُ ، الحرفُ

سهمًا ،وكيف تكونُ الكلمةُ ، سيْفــــــــــــاً

إلـــــــــــــــــى ...،وَلَـــــــــــــــــــــــــــــــــدِي""

قصَّة قَصِيرة: رقِـــــــــيم البطل.


وتَعالـــى صوتُه بالشِّعر صادحًا ..يُسافرُ بنَا نحو أمجاد ألفِ ليلة وليلة ... تتسلّل حروف الضّاد في الجوّ كأنّها صلواتٌ أثيريّة، هكذَا اعتاد ا الزّوجان أن يقضيا عطلة نهاية الأسبوع يركبان أمواج الأثير ، يُبحران في زخمِ المذياع ، يراقصهما صوته كالكروان حين يردد على نبرات نطقه المتسرّب عبر جوف مسامعهما إلى أعماق روحيهما المحتفية السعيدة ..

فتُلقَى أجمل أشعارِ الإنسانية على المسامع ،تليها حِصصٌ تثقيفية ترفيهية ، فِي الأدب والدّين واللغة ، لقد كانت الإذاعة بكلّ إيجابياتها وثراءها بهذا الكمّ من المعلومات اللَّبِنة الأساسية فِي تكوين جيل واعٍ بالمسؤوليات الملقاة عليه ، كان ارتباطهما الوثيق بالإذاعة العربيّة هو الحفاظ عليها ككيان قائم وكلغة لم تأخذ نصيبها مكانتها من بني جلدتها .. ،

مرّت الأيّام وتعاقبت الفصُول ، وتوالت اللّيالي ومرّت الشّهور رُزق الزّوجان بِثمرةِ حبّهما ، وأيّ مولودٍ هذا الذي يكون من صلبِ نفسين شاعِرتين أديبتين ،

صبيّ يحملُ اسم رقيمُ العِزِّ ...والرّقيم معناه المكتوب أو المرقوم وتأتي بمعنى ما يُكتبُ عليه من ورقه أو خشبة أو صخرة ..،

اسمٌ على مسمّى نابغةٌ مذ رأت عيناه النّور وفِطامُه علمٌ ونُبلٌ وفضيلة ، حتّى صارَ صبيّ ذو ابن الأربع سنوات تلتهم عيناه الطّفلتين حروف القصص والأشعار التي يكتبها والديه بماء العين عبرة للصّغار حكمة للكبار ، كان يركض كلّ مرة إلى رفقائه الصّغار ((هاته المرّة ماما كتبت لنا ،نحن الصّغار، قصّة)) ..

فيجتمع الصّغار حوله ليروِي لهم أحداثها فِي كلّ مرة بلسانٍ حصيف فصيحٍ باللغة العربيّة الفُصحى ينطقها بسلاسة وعذوبة متناهية ،وظلّ يسر فِي طرقات العلم متحديًّا سبله الشّائكة ، وظلّ الفَضاء يصدح بهذا الصّوت الصّافِي الذي لا تسعه الدُّروب ،

وحملت النّسمات صوت اللغة العربيّة على لِسَانِ رقيم إلى شمالِ إفريقيا وإلى آسيا وأوروبا ، ورُزق بأخوين قالون فالأدهم ..وأصبحوا على خدمة شتى العلوم والآداب ساهرين وباللغة العربيّة مُعتنين ..

رقيم الأخ الأكبر له الرّأي والمشُورة حكيم المكانِ ومَلِيكه ، اقترح عليهم فكرة تشييد جسور الحروف من المُحيط إلى الخليج ،وجسرُ حروفٍ إلى الشّمس للإرتقاء باللغة العربيّة إلى العلياء ، فِي ظلّ ما يعانيه العالَم العربيّ من صراعاتٍ وفِتَنٍ فِي لغته ومقوّماته ،

وكذا مخلّفاتُ المستَعمرات ،التِي نصّلت الفرد العربيّ من هويّته ولغته ، أراد رقيم برباطةِ جأشٍ أن يردّ الإعتبار للغة ..
فاستغرب الإخوة الأمر ، أيعقلُ أن نُشيّد جسرًا نحو الشّمس وكيف يكون ذلك؟ ، كانت حكمة رقيم ورجاحته أكبر من أن تكون فكرته مجسّدة كان يطمح للارتقاء بالأفكار والعلوم واللغة العربية ارتقاء الشّمس في السّماء ،

من خلال جسر قصص الأطفال التي كان يتشاركها ويتبادلها مع أصحابه وإخوته منذ الصّبا ،فاتّخذ من جسر الحروف نحو الشمس محفِّزًا لهم لبناء أنفسهم وشخصيّتهم من خلال تغذيّتها بالقراءة ،والكتابة وشتى العلوم .. أنشأ لديهم تصوّرًا كاملاً حول ذلك ، قلمه سراج يُنير , ، من العلم و الأدب و التدبير، ما خاب من بنوره يَسير ، و يَطلب رأيه و يستشير ، أديبنا المبدع رقيم، يتكلم فـيُسمِع , و يكتُب فيُمتع , و يُجيد و يُفيد و يَنفع , قمة في الأخلاق و التواضع , سيد الجَميع بلا منازع ...

وفتح لهم آفاقًا جديدة لبني جيله من خلال اقتراحه عليهم بقراءة السِيَر الذاتية لعلماء الفيزياء والفلك والرياضيات العالميين والعلماء المسلمين ،وأهل الفقه واللغة والفكر هو السّبيل الوحيد لبناء جسر الحروف نحو الشّمس ،

فاقتفَوا أثر الرّقيم واتبعوا خُطاه ،و نهَلوا مِن علمه ، و أناروا أقلامهم من مداده، و من فِكرهِ اغترفوا، و بهذا أقرُّوا و اعترفوا ، و أصبح الرّقيم معقل العِلم له أعلام ، بليغٌ و فصِيح لسَان ، مقالاته بأجْمل حُروف تَترصَّع و تزْدان ، يُمتع الإنسان , إذا أطلق لقلمه العنان ...

كنْ مثابرًا قارءًا ...لراية العلم حامل وبسيف الضَّاد محارب كلّ مشكّك متنكِر للأصل خائن ..كن مثل رقِيم...