الفَضِيلة تتريَّثُ فِي مسِيرِها وتتَّئِدُ فِي خطوها ،وتنثُر بذرهَا بينَ التّمهُّل والتّرزُّن ، في حين ينثرُ الإثم أجواز الأمصارِ معلنًا أوْزَاره التِي تَستفِيضُ هَيمنَتهَا المنكرَةِ فِي الأَقْطَار،ويحَلِّقُ ذكرُ سوءاتها الفَاضِحةِ فِي الآفاق ،فتنصتُ لها الأصداء ،وترجُمها الأَنْحَاء ..فيَسِيرُ الخَيْر على هيِّنته، ويمشِي على رُودِ لَطيَّتِه، ويغذّ الشرّ في سيرهِ الحثِيث على أَوفَاز،

يهتلكُ في عدوه ،فتتزلزَلُ الأرضُ من وقعِ فيَالقِه ،ونسمع الجَلَبة والقعقعة فيُقال :إنّ العالم يزداد انغماسًا في المَعَاصِي والسّيّئات ،ويوغلُ في ارتِكاب الجرائِم والمجازِر الإنسانيَّة منسلخًا من كلِّ معانِي السّلام المنشود ..

إنَّ الذي يسِيرُ هذَا الدّربَ المتعرّجَ بِتفان متمعّنًا ، متأمِّلاً موغِلاً فِي هاتِه الحقِيقة يقرأُ أنَّ : الإثم يتجوّلُ راكِبًا عربَةً صَدِئَة ترتفِعُ لعلعَةُ عجلاتِها فِي الأحزان والهموم ، فِي السّهولِ والميّاه الراّكدة ..فِي حين يذرع الحقُّ فراسِخَ السَّماء ،ويعلُو نقَاءهُ حينَ يُطِلُّ من محرَابِهِ النّقِيّ على أرضِ الشَّقاء ،متألِّقًا تألُّق النَّجمةِ الجوزاء ،فيتُوقُ العالمُ كلّ يومٍ فِي معارجِ السموِّ والإرتقاء ...

وفَضيلةُ الإنسان فِي إنسانيَته إذا ما أطلعَ مقلتيه على داخله الهشّ متطلّعًا نحو الأعماقِ التي يلفّها الغموض ويُعلِّقُ نظراته بالموجودات حوله ، فيرى الأشياء كما هِيَ بِكرٌ مَازَالَ كُلُّ شَيْءٍ بِمَكَانِهِ..الْأَوْرَاقُ كماهي خَضْرَاءَ تَلْهُو بِهَا يَدُ الرِّيَاحِ الْعَابِثَةِ..وَالْعَصَافِيرُ تَنْتَقِلُ بَيْنَ الأَغصَان وَالشَّمْسُ تَسْكُبُ انوارها فِي عُيُونِ الطَّبِيعَةِ الظَّمْأَى لِلْحَنَانِ الْمُمْتَزِجِ بِأَنْفَاسِ الضِّيَاءِ..

فتَتّحِدُ روحهُ بأصلهِ ومن الطِّين إلى الطّين تنشأ جُسورٌ بينَ الأرضِ والسّماء..هَكَذَا هِي الْحَيَاةُ دَائِمًا نَحْنُ نَتَحَرَّكُ نُذْهِبُ وَنَجِيءُ ،نَضْحَكَ وَنَبْكِيَّ ،نُكْبِرُ وَنُضْعِفُ ،ثُمَّ نَمُوتُ وَكُلَّ شَيْءِ يَسِيرِ بِاِنْتِظَامِ مُطَّرِدِ دُونَ اِخْتِلَالٍ..الْآنَ فَقَطْ يشعر بِسُحُبِ الْحَيْرَةِ تَتَلَاشَى..فَيُناجِي الغَافِلين من غرّهم فناءُ اللَّذّة وسُبُلُ الرّذيلةِ:

الرَّاحَةُ تَغْمُرُ نَفْسِي بِأَلْوَانِهَا الْهَادِئَةِ الْحَالِمَةِ..فَنَحْنُ الْبَشَرُ مِنْ طِينِ التُّرَابِ تَذَرُنَا الرّيحُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ قَدْ نَسْتَقْرِ هُنَا ثُمَّ لَا تَلَبثُ الرّيحِ أَنَّ تَنَقُّلَنَا إِلَى مَكَانِ آخِرِ..أَوْ إِلَى عَالَمِ آخِرِ تَتَلَاشَى فِيهِ خَلَاَيَاَنَا واجسادنا فِيه تَضْمَحِلُّ وَتَبْقَى أَرْوَاحُنَا هَائِمَةً فِي عَلِيِّينَ..

وفضيلةُ المُحبِّ فِي وفائِه إِذَا مَا أحبَّ وَفَى حدَّ الحَيَاة وحسبُ الوفَاءِ فِي المحبّةِ فضِيلةٌ لا تكفِي فِي وصفِها الأبجديّة على اتّساعها وحسبُ الحبِّ أنّهُ ليس في متناول اليَد، رَحّالٌ عَلَى شَوَاطِىء الزَّمَانِ ، يمُدُّكم يديهِ وأنتم في عَهْد الطُّفُولة والبرَاءَة، منذُ ذَلِك الحِينِ يخْفُتُ صَوت القَلب فَلا يقْرَعُ على بَابِ الصَّدْر غيرَ الحَبِيبِ أحدَا ، يَمْشِي المُحبُّ بفضِيلةٍ معَ الحُبِّ جنباً إِلىَ جَنب دُونَ أنْ يعْرِف نِهايَة الرِّحلة وكَأنَّه فِي ظلامٍ دامِسٍ يدخلُ مُدُنًا يجهلُ خرائِطَها … والجذورُ في الطَبيعة لاَ تنمُو سوى في ظَلامٍ دامِسٍ لاَ يصِلُ لهُ النُّور. مَاذَا لوْ خاَفَت جذور الأشجار من ظلام التربة وامتنَعَت عَن الغوْص دَاخِلها عُمقاً؟ سَوفَ تَمُوتُ الأشْجار. عَلى الجُذُور أنْ تغُوصَ فِي قلبِ ظَلاَم التُّربة عُمقاً، فِي قَلب أعْماق الأَرضِ وُصولاً إلى مصدر الحياة، إلى المَاء حيثُ الغِذَاء.

هكذا القلبُ إذَا أحبَّ بِزاويَةِ الفضيلة..استَعْفَفَ وأحسنَ الإقامةَ إذا ما أقامَ ،من أحبَّ بِفَضِيلةٍ عانقَت أفكارهُ قلبَه ،وقلبَه عانقَ كيانَه فأصبح وحدَةً واحِدةً أبديّة ، كيانٌ لا اسمَ لَهُ ولا هُويّة أصبحَ أكبر مِن أن يحدُّه تعريفٌ أو لقَبٌ أو اسمٌ أم قاعدَة ، وحدَةٌ داخلهُ ووحدَةٌ مع الحبيب فتُعزَفُ علَى أوتارِ الفضيلَةِ سمفونِيّة مَع لحنِ الوُجودِ فيحلُّ السَّلام ، فلنُحبّ بعضنَا بفضيلة ولنملأ هذَا الوُجود محبَّةً ، فالمحبَّةُ دِينٌ بدونِ صفاتٍ ولا أركان ،والمحبّة إسلام ، تواضُعٌ وانحِناء خشوعٌ وزهدٌ وتسليم فمَــــــن سيحمِلُ اللّواء ؟ والهويّة ومن يصُون فضِيلةُ المحبَّةِ جعلتُها برُوحِي قضيّة ؟

وفَضِيلةُ الرّجُلِ إذَا ما سَارَ إِلَى ربِّهِ بقلبٍ طاهِرٍ رقِيقٍ كفُؤادِ الطّيرِ ، بِإخلاصٍ وسكينَةٍ وتسليم كطفلٍ حَافِي القَدَميْن ينقلُ خَطوه جذلاَن الرُّوح وعَامِر الفُؤاد بِرؤَى طَائرة فَوق الشَّجر العَجوز وفَوقَ جُذُوعِها النَّاتئة يتأَمَّل فِي صَبر ٍجوهَر الأَشْياء تتَمَاهَى بالظِّلال الشَّفافَة ،تتأَمَّل حاَلمَة أَحْلاَما طويلةً عبْر المَسَاء البَعيِد تتَمطَّى الأَفكار وتحتَضِن الأَشْياء ...فَلستَ أَنت من لاَ يَرى الأَشيَاء البيِّنة ولستَ أَنت من يهجرُ الأَمَاكن الأَليِفة والوُجُوه الضَّعيفَة لستَ أَنت َمنْ يتنكَّر المَحبَّة الشَّفافَة القَويَّة فأَنت كوَجهِ نجمةِ الصُّبح الوحيِدة فِي معلمِ الزمنِ العتِيق تَتمَوقَع فَوقَ مِسَاحَة الوُجُود ..

أن ينظُرَ دَاخِل قلبه يراَقِبُ محتواه، والقَلبُ شفافٌ كالمَاء، والمَاءُ للنَّاظر انعِكَاس، مَا بدأ ينتهِي ومَا لم يكُن لهُ قبلَ السُّنون والأياَّم والساعات وجود، ولن يكونَ لهُ إلَى الأبدِ خُلود...فَمِن الخَيْر لك ومن حَولك من النَّاسِ أن تُحدِثَ في قلبِك هذَا المُصمت المُقفل صدعًا يسِيرًا ينفُذ مِنهُ الضَّوء ليُبدِّد بعض مافِيه من ظُلمة ،وينفُذ مِنهُ النَّسِيم لِيُطفِئَ بعض ما فيه من لَظى ..أن تُدير مِفتاحك الذّهبي فِي قفلك المُرصَّع ،وأن تفتح قلبَك قَلِيلاً لتَصِل إليه بعضُ الرّحمة والرِّفق فيعطِفُ بنُو البَشَر على بعضِهم البعض ....و يعُجُّ المَدَى فَضِيلة..

وفَضِيلَةُ المرأةِ فِي حيائِهَا وفضِيلتُها فِي سِترِها الفِطريّ الذي ترتجيه وحُبّها الفطريّ ،فارتَفع عنْدهَا مِقْيَاسُ الجَمال ، بوَقَارِ الحضَُور وهيبَةِ الخُلُقِ وسِحرِ السّلوكِ وحصانَةِ المنزِلَةِ فقِيرةٌ إلى إلَى ربِّها معتزَّةٌ بشُموخِ عليائِها ، مثل شذَى الورد ، تكونُ الرّحمَةُ عينها ، تبلُغ من الإحسانِ درجَاتٍ يتذاكرونَها ، تناجِي وتُصادِق وتَصدقُ وتؤلف ،تؤدّي تلكَ الرّسالة التِي طرحتها عليها قِوى الغيبِ الخفيّة الخارقة وتتجاوز منطق الأشياء بجناحين مستعارين من الفردوس ،فِي أمومتها العميقَة فِي برّها لقرّة العين ترنُو بمقلَةٍ مسحورَةٍ خالقَ الأكوان ، وتمضِي فِي طريقها ناشرةً شراعَ الرّحمة والعبرةُ بالقلبِ ...

فدربُ الفَضِيلَةِ مِفتاحُه القَلب، فماَ وسعني أرضٌ ولاَ سَماء إنَّما وَسعني قلْبُ عبْدِي المُؤمِن.،راحةُ كفِّه الأيْمن تستقْبلُ السَّماء فتتَلقى النُّور طَاقة سَماويَّة مِن السَّماء إلى الأَرض. وراَحةُ كفِّه الأيسر تَستقبلُ الأرضَ خادمةٌ للخَليقَة فتتلقَى النُّور طاقَة ٌأرضِية تصَاعُدية مِن الأَرض إلَى السَّمَاء....

يتبع...

-----------------------------------------------------------------------------------

الرميساء..

المقال الجماعي...