إِذَا مَاتَاهَتِ العَينُ فِي مَسَارِ الأطواقِ الزَّرقَاء ..، وَاشِمًَة نَثَراتٍ هَادِئَة فِي مبَاهِجِ ترِنُّ فِي قَرارِ اللّيلَةِ الحَبلَى باللُّؤلُؤِ الذِي افتَرَشَ البَحرَ و تَوسّدَ السّماء ،

إذَا مَا تأوّدت ألحانُ الغَسَق فِي الجوِّ المُستَغلَقِ حُلمهُ المُستَطَابِ سُكُونُه عَلَى ضِفافِ بُحَيرَةِ  فِينِيسيَا ، هُمَا الآنَ تَحتَ ظِلالِ ليلَةِ قَمراء وبَحرٍ وسَماء  ،

تَرمِي شِبَاكَهَا فِي ذَاكَ المَاءِ الطَّروب ، بَاحِثَةً عَن كلّ شَيئٍ يبسُم الآن ،تُمحَى الأقواسُ البَنفسجِيّة المُرتسَمة عَلى خدِّ المَاء  مُتَلاَشِيَةً فِي ظَلامِ الأزرق ، وَيَتجَلَّى قَلَمُ الفِضَّةِ الذِي تُحِبُ بَينَ يَديْهَا ..فَتهمِسُ أنِ اكتُبنِي 

وهو الذِي أحسَّ بهُوَّةِ الفراغِ فِي كينونَتِه ولا يدْرِي كيفَ يملؤُهَا ،وللخطِّ كمالٌ وقَدَاسةٌ لا مُتناهِيَة تهشُّ إليهِ النّفوسُ وتسكرُ بِهِ العَيْن هُو لِسَانُ اليَد ونِعمَةٌ من نِعَمِ الحِكمةِ ،وبهجَةُ الضَّمِير وسفِير العقلِ ،

وأصلُ الرّوح تنطقُ حروفه متفَرّدة ومزدوجَة تتجَلَّى كحقِيقَةٍ وخَيَال ،ورَمزٍ وصورَةٍ ،لِتُمارِسَ الغِوايَةَ فنَّا يُدهِشُ العَينَ والذّاكِرة ،

بِهِ قرأَ الحِكمَة واستشرَفَ الآتِي وأعادَ تشكِيلَ الكونِ بكائِناتِه وأشيَائِهِ أليْسَ الحرفُ هو عَينُ الوجود ، ومرآةُ تجلِّيَاتِه ،وسرُّ أسرارِه ومِفتاحُ كينونَته ؟

بَعثتُ كلَّ محبَّتِي وآمَالِي ودِمَاءُ قلبِي تبحَثُ عَنكِ ..هَا نحنُ الآن نَلتَقِي فِي لَيَالِي فِينيسيَا ، حيثُ لا وُجودَ لِغَيرِنَا أنا وأنتِ يَا صَاحِبَة الأسوارِ الأبدِيّة يَا ذَاتِي البَعِيدة يَا شَجنَ الصّمتِ يَا أُمومَتِي!

اكتُبنِي فليسَ بِغَيرِ المِدَادِ أعيشُ ، واقرأنِي فليسَ بِغَيرِ مِدَادِكَ حَيًّا أكون ،عمّدنِي حِبرًا فِي زُرقَةِ السَّماءِ أنعَتِق ، ووشَّحنِي بِزُرقَةِ المُحِيطَات أشُفُّ مَاءً نَمِيرًا ...

اكتُبنِي حُروفًا عربِيّة سَمراءَ ، عن حِدَاءِ الأعرابِ فِي صَحراءِ اليَمن تَقولُ وعَن سَمَرِ القَبَائِلِ يُسبيهَا المَاءُ ويُؤججِّهَا الرَّحِيل ،اكتُبنِي حاءًا مِن الحَلَقِ يَحيَى ووحيًا..، ورَاءً كراءِ الرَّوابِي فِي ربوعِ بِلادِي وفاءً وفِيًّا ..،أقِيلُ فِي سكونِهِ إذَا مَا أجهَدنِي البِعاد .

اكتُبِني عَلى ورقٍ أبيضٍ كلونِ الزّبد ،بَتلاتُه فِي لونِ النّجوم ،خَضراءَ فِي لونِ النّعِيم ...-نِعمَ الملمَسُ هِيَ - ....تنسَابُ عَلى خدَّيْ الأثيرِ وتُناغِينِي عَبِيرًا يَتَخَافَى عَنِ العُيُون ،يُجَافِي الحَواسَ ويَنزِلُ ضَيفًا عَلى الرُّوحِ تقرِيَةً وسَلامًا ..!

اكتُبنِي بِمدادٍ من تُوت تَلتَقِطهُ طِفلةٌ تدوسُ عَلى سُفوحِ المَجدِ ،فإن أقفرت قَوافِلُ الثَّمرِ فبِدمعِكَ ويَراعكَ هُدُبِي ،فإنّ شَحَّ فمن شَرايِينِك تمتدُّ خَارِطَةٌ عَجيبَةٌ على يَديْكَ أضِيعُ فِي دُروبِهَا ...، أو انقُش مَلامِحَ الذّكرَى عَلى تُرابِ الوطَنِ ،عَلى صَخرٍ يُعانِقُ السّماء أو جِذعِ صَفصَافَةٍ حَالِمَةٍ فَأنَا لستُ بِدونِ الحَرفِ ..أحيَا!

اكتُبنِي قَصِيدةً فرِيدةً شَريدَةً ..،اكتُبنِي جَرِيدَةً وحِيدةً فِي واحةٍ بعِيدة ،اكتبنِي أنشودَةً فِي أرفِ الصّغار ،أُغرودَةً ونَار ،خبّرنِي عن التَّوقِ الذِي تهفُو لَهُ خَفَقَاتُ الوِجدَان مثلَمَا تتعَالَى النَّفسُ لِسَماعِهَا أوتَارَ عودٍ ..ونَشِيجَ ناي ..

حدّثنِي عن حرفٍ سَرَى فِي غُصَّةِ الحلق ،ولذّة تتشِر بِهَا الروح وشَرقَة دمعٍ لا ينسَكِب ..،اختَرَقَ الحُجُبَ فِي استِخلاَصِ عَلاَقَةِ العَبدِ بِخالِقه وجسّدَها فِي ارتِباطِ حرفٍ(لامٍ بألف) المُدهِشُ بتناغُمهِ وعِنَاقِه وانفِتاحهِ ..إذًا فالعَوالِمُ كلّها حُروف والحُروفُ كلهَا دهشَة وجمال وانِفتاحٌ على نافِذةِ الوجود ، " والحَرفُ أمَّةٌ خالِدةٌ لَن يُدرِكهَا الموت "هكذَا صوَّر الحرفَ ..ومن هُنَا تجلَّت إشراقَاته ،

مَاعَادَ الحَرفُ نَارًا صَارَ مَاءً ينبَعُ من كلِّ تنَاقُضَاتِ الوُجُود ، كَم نَحنُ مَدِينونَ للأماكِنِ وتمشّداتِهَا ، ذَاكَ الذِي أتَاحَ لنَا السَّفَر فِي القَصِيدَةِ والسَّفَرَ فِي الذّاتِ بجدّ ،مُحرِّكُهُ الأوّلُ فِي الكِتابَة لاَزَالَ كَامِنًا فِي فُرنِ الحَيَاة ،ينضُجُ عَلَى مَهــل !

هِيَ ذِي الأعمِدَةُ الفَارِغَةُ يَتَناثَرُ عَليهَا بُكَاءُ الأَثِير ..وتَعتَنِقُ عليهَا سَوابِحُ الغُيُوم ..ويَمُرُّ الحُلُمُ شَجِيًّا كالطّيفِ يُنادِي عَلى ضِفافِ فينيسيَا !


بِقلم :  الرّميسَاء بوجمعة ..

12/07/2019