يا رُبا النجيلِ ورهبة شجر العذر وجماله، وزبدَ الرملةِ البيضاء، وأكوام الفستق الحلبي  الأخضر في الجدّيدة وزغاريد النسوة في أعراس عائشة بكّار، وزينة المولد النبوي مع فوح النعناع والمسكِ في شاتيلا، كلما سحب البحر طرف فستانه عن رمل شواطئها رفع الشهداء رؤوسهم فرحين بما آتاهم ربهم غرفوا غُرفَ المجدِ وناموا ! ومسحتْ أرتالهم الحزن عن جبينِ بيروت، غنى رماج الطيرِ مع بائعي الذرة على البحار مغازلاً عيون الصبايا الفاتنات ، يا هينمة الأصدافِ يسمعها البحر الأحمر فيهتف الإغريق طوبى لمتحف الشرف يوسفيةِ الجمال، كلما غشتها الأرماءُ المثقلةُ عناقيدَ نارٍ وسلاسلَ مكرٍ وضحكات شياطينٍ، تسلحَ حتى غُصين الأرزِ وأمسى أصيراً من رصاص يلفُ أعناق من تربصوا وبذروا الخبثَ دمعاً في مآقيها، في تفتح الأضاليا وزهر القهوة يظهرُ وجه الهيثم يُلقي قبضاتٍ من فُلٍ ونسرين وذرات بخارٍ من أنهار الجنة يُغلقُ الوقت وفي ضبابِ الجبال يختفي فلا تراه إلا عيون الملائكة وجولاتُ النسور والأروى وصغارُ الغزلان 

يا روضةً نصبتْ المشانق لأحرارِ العرب فأسلمَ التاريخ عنق جمال باشا للعار وأسبغهُ قدحاً وأسقطَ مقامه فشخُصتْ عيناه ومضى مُهطعاً في دَرَكِ الذُلِ ، وامتدتْ حياة الأحرار آلاف الأعوام!، أرتشفُ القهوةَ وفي رغوتها وظلِ البلور وحوافِ الشبابيك وأصص الميرمية والسجاد ألتقطُ فقاعاتٍ من نور يرسلها ظل الهيثم ،وسألتُ الهيثم : هل أنت من حواريي عيسى أم من شهداءِ المشانق؟  تسرب الهيثم إلى سطور القصائد وصدور الكتب التي كان يعشقها أطلَ وقال: لستُ الأول وأُنكرُ الثاني مع أن لي فيهما مالي من مقطوعاتِ ألمٍ ومَسلاتِ عذاب ، أنا الصامتُ السليب بين الأهل والصحب أضحكُ كأني المُنزهُ المعصوم عن الحزن وضحكتي تحيي موتى القلوب، وفي خلواتي دموعُ نسوة صبرا وشاتيلا وإنشادُ أحرارِ العرب قصائدهم قبل الإعدام حروفها مطرزةٌ على وسادتي، وفي خلواتي موائدُ الصبر يطول مداها من فلسطين حتى باب الله، أنا شهيدُ الجرعات شاحبُ الجلدِ محروق الخلايا في كل خليةٍ دمٌ من دماء نبيٍ قتلهُ بنو إسرائيلٍ،نعم فأنا الهيثم الأسمر إبنُ بيروت رأيتُ سيدنا عيسى في سالفِ رؤيةٍ يطلُ من مرايا السماءِ ضاحكاً فورثتُ عذاباتهِ وكساني الزمنُ العبوسُ المشتعلُ ظلاماً عباءةً من حميم

لكن إبتلاءاتِ الله تشريفٌ وأنا صاحبُ العزمِ الصبور، يحفر المرض خندقاً في صدري يقصُ شراييني يجرحُ ضحكاتي يُثقلها فأرضى وأبسمُ وأُعاندُ الأطباء فيما مُنعتُ عنه فالله يطعمني ويسقيني طعام وسُقيا مريم في محرابِ زكريا، أبكي وأقول : أيها الهيثمُ كاد قلبي يهفو في أثرك، وقد شافني من ناحيتكَ لامعُ البرقِ ، إذ رأيتُ الدُجينةَ الباسمةَ تغسلُ بلاطَ وترابَ الشهداء، وفي البروقِ حزن المذبحة وفتنةُ بيروت، أيها الهيثم الأسمر يا قبسَ المصابيحِ يسطعُ في سَدَفةِ الليل فيعودُ بهاءُ العربِ، هل لي أن أَشُدَ غَزلَ السنين وأنقُضَهُ وأوقِفَ مركبي على شواطئ ضحكاتكَ وأحظى بدقائقَ متصلبةِ الذرات لاتمضي ولايدركها النفادُ، فأبقى في حضرتكَ أدخلني يا خالُ في ظلالِ عينيكَ وجنى الداليتينِ دان أجني قطوف المنى والأمان 💙 -يبسمُ الهيثم ويضعُ ذراعه على كتفي ويقول: قد ظمئتُ للقائكِ ياصغيرتي!

وترتدي باريس الشرق آخرَ قفازاتِ المخمل وتشربُ آخر أقداح التوت، وتدقُ ساعةُ ساحةِ النجمة آخر دقاتها وترتصفُ آخر قطعِ الفسيفساءِ في لوحةٍ رومانية، ويُحيي المسجد العُمري آخر إبتهالته ، ويخرجُ آخر القناصةِ من بيتِ بيروت

وتبكي أشجارُ الشوحِ فيرتجُ بطنُ الوادي المدروزِ أساطيراً وورقاً أصفراً وأحمراً وجِناً وملائكةً ويربتُ كفُ البحرِ على خدِ الصخرِ وتغدو السماءُ بلونِ العنابِ وأصابعِ طفلةٍ هاربةٍ من مذابحِ قانا

وفي آخر إِغفاءةٍ في حِجرِ الوالدة يفرُ الهيثم من مِقصلةِ الكيماوي يُصيرُ عنقهُ جسراً تعبر عليه مسحاتُ رضا الوالدة يتساقطُ الدمعُ المنفطرُ شُهباُ من نارٍ تحرقُ لحم الوجنتين، يرشقُ وجهه دمعها فينقلبُ الشحوب لؤلؤاً وضياءً، يرى عيسى ضاحكاً يناديه ، تلقنهُ الشهادة ....يستردُ الوادعُ وديعتهُ ،يرحلُ الهيثم دون الثلاثين ، وتتجددُ روحه مع كل ولادةِ قمرٍ، تزورُ اليمامةُ الثرى الذكي تقرأُ القرآن تفردُ أجنحتها على رخامه وتبكي.......

شجر العذر: هي غابة في عكار شمال لبنان تعد أعجوبة من الجمال والعذر هو السنديان عظيم الجذع عمره آلاف السنوات ورقها ساحر الألوان

الأرتال: مفردها رتل وهو النقي الطيب من كل شيء 

رماج: غناءُ الطير 

الهينمة: الصوت الرقيق الخافت

أرماء: مفردها رمى وهي السحابة الكبيرة شديدة القطر 

الأصير: الطويل والملتف 

الأروى: أنثى الوعل 

مهطعا: رفع الرقبة

مشخصاً: توقفت العين عن الحركة من الهول والاثنان بمعنى ذل المجرمين يوم القيامة

سَدَفة: من مرادفات الظلام

الدُجينة: السحاب المنتثر والممتد 

عائشة بكار شاتيلا الجدّيدة : أحياء في بيروت

ساحة الشهداء ساحة النجمة المسجد العمري المتحف بيت بيروت الذي يعتلي صورة الغلاف هي معالم بيروتية أثرية ، وبيت بيروت كان معقلا في خط النار والتماس إبان الحرب الأهلية وأستوطنه القناصة وحفرت الرصاصات جدرانه وهو لليوم أعجوبة معمارية وغدا معلماً للسلام

بقلم : ريهام الخطيب 💙

قصة حقيقية❤