في احتفاله السابق باليوم العالمي للغة العربية

مجمع الخالدين  بالقاهرة : الضاد واحدة من أهم لغات العالم

د. حسن الشافعي: الاحتفاء بالعربية عرسٌ ثقافي نتغني فيه بأمجاد العربية علي العالم أجمع.

د. عبد الحميد مدكور: العربية تواجه مخاطر جمة في الداخل والخارج

د. حسن عبد العزيز: الفصحي المعاصرة هي فصحي مُعرِبة لا تجافي القواعد.

بمناسة اليوم العالمي للغة العربية أقام مجمع اللغة العربية بالزمالك حفلا كبيرا حضره نخبة لامعة من الأكاديميين والكتاب والمثقفين.

بدأت مراسم الحفل بكلمة افتتاحية للدكتور حسن الشافعي رئيس المجمع عبر فيها عن احتفائه بالحضور في هذا العرس الثقافي الذي يحرص المجمع علي إقامته كل عام احتفاء بلغة الضاد، التي نزل بها القرآن الكريم.

وأكد د. الشافعي أن هذا الحفل هو يومٌ مشرقٌ من أيام اللغة العربية، التي ينبغي أن يكون لها أكثرُ من يوم يتذاكر فيها الحضور أمجاد العربية علي العالم أجمع، مشيرا إلي أهمية هذا الحفل ليتدارك الحضور تقصيرهم في شأن لغتهم، ويصححوا مسيرهم من أجل رفعتها والنهوض بها.

ثم عبر د. عبد الحكيم راضي عضو المجمع عن سعادته بهذا اليوم المشهود الذي تتلاقي فيه عقول أساطين لغة الضاد، وتتلاقحُ أفكارهم وتتعدد مشاركاتهم في الاحتفاء باللغة العربية في يومها العالمي .

وقدم د. راضي الدكتور محمد حسن عبد العزيز عضو المجمع ليلقي محاضرة بعنوان: "الفصحي التي ندعو إليها "، أكد فيها ضرورة أن ننفي عن الفصحي المعاصرة ما ليس منها مما يُشيعه من يسمون بالمثقفين وغيرهم من دعاة العامية والجهلة والعوام، حيث رددوا أن الفصحي لغةٌ مهجورة حوشية الألفاظ وحشيةُ المعاني، مُستشهدين بكلمات غريبة استخرجوها من بطون المعاجم مثل شَهْربة، وخَدَلّجة، وبلندح، وعركركة، وغيرها ؛ لينفروا الناس من لغتهم رغم أنها كلماتٌ هجرها الاستعمال منذ خمسة عشر قرنا.

وعرَّف د. عبد العزيز الفصحي المعاصرة : بأنها فصحي مُعْربة لا تُجافي القواعد، وهي التي صاغها الأدباء والعلماء واللغويون والصحفيون، وتتوافر لها ثلاثُ صفات: أنها مرنةٌ تنعم بذخيرة من الكلمات والعبارات تُيسر لمن يستخدمها أن يُعبر عما يريد، وأنها موائمة لمُتطلبات التعبير العصري، وما يتطلبُه من دقة التعبير وجودة التوصيل وقوة التأثير، كما أنها لغة بسيطة ومُعقدة في آن واحد؛ لخدمة أدائها لوظائفها، وتيسير تعلُمها، ووفائها بحاجات الناس.

وأشاد د. عبد العزيز بالمُفكرين المصرين العظام أمثال : رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك والشيخ محمد عبده وحمزة فتح الله وغيرهم ممن دعوا إلي إحياء هوية المجتمع العربي الإسلامي بعامة والمصري بخاصة، كما أشاد بدور الأدباء الذين كتبوا وشعروا بالفصحي وجعلوها لغة أدبية راقية مثل: شوقي وحافظ إبراهيم وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وغيرهم.

ولم يفُت د. عبد العزيز أن ينبه إلي دور الصحافة في الحفاظ علي اللغة، مُذكرا بدور الطهطاوي مؤسس مدرسة " الألسن" والشيخ محمد عبده وعبدالله النديم ومصطفي كامل الذين اشتغلوا فترات بالصحافة وأسهموا في نشأة الفصحي واستمرارها وتطورها .

وفي ختام كلمته استنكر د. عبد العزيز تدني الإحساس بالانتماء للغتنا العربية، وضعف الثقة بها بل والسخرية منها، موضحا أن أسباب ذلك ترجع إلي تعاظم تأثير العولمة علي المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع وإيثارها اللغات الأجنبية، إلي جانب سياسة الانفتاح وما واكبها من تغيرات اجتماعية، بالإضافة الي تسلل وسيطرة المدارس والجامعات الأجنبية علي مؤسساتنا التعليمية .

فيما أكد د. خالد فهمي أستاذ العلوم اللغوية بآداب المنوفية في محاضرته التي حملت عنوان "قضية عالمية اللسان العربي في العصر الحديث وأصولها التاريخية.. الإسهام والمحددات" أن وضع اللغة الراهن يُعاني مخاطر جمة ترجع إلي مستوي الثقة فيها من جانب أبنائها، ومستوي إنتاج المعرفة بها ، بالإضافة إلي مستوي استعمالها وتشغيلها.

وأشار د. فهمي إلي أن دراسته المقدمة تسعي إلي الوصول إلي نتيجة منطقية لرصد مستقبل وضع العربية علي خريطة لغات العالم الرئيسية من خلال معالجة ثلاثة مطالب: الأول ويقوم علي أن إتقان اللغة يعد شرطا وعرفا معرفيا ومهنيا، وهو ما يتضح من حوار "جوليالمو" بطل رواية "اسم الوردة "وبعض رواد مكتبة أحد الأديرة بشمال إيطاليا حيث خلصوا إلي ضرورة أن يكون حافظ المكتبة خلفا للألماني عارفا بالعربية بجانب معرفته باليونانية، وهو ما يكشف المكانة المرموقة للسان العربي علي خريطة اللغات العالمية؛ بفضل المُنجز العلمي والفلسفي والأدبي الذي أنتجه أبناء هذا اللسان في زمان لم تكن هناك بقعة يمكنها أن تضاهي النور المنبعث من مكتبات الأرض العربية.

وأكد د. فهمي أنه رغم تراجع هذه المكانة العالمية إلا أنها لم تغب كليا مع الإقرار بوفرة التهديدات الحقيقية والخطيرة التي تتعرض لها، والمتمثلة في تراجع وظائف اللسان العربي، وتراجع المستعملين، والغياب شبه التام عن إنتاج المعرفة والمجالات التقنية.

وأضاف د. فهمي أن المطلب الثاني هو شهادات الاعتراف بعالمية اللسان العربي في العالمين الغربي والعربي، مؤكدا أن ثمة اعترافات مُتواترة من مؤرخي اللغات واللسانيين الغربيين والعرب بعالمية اللسان العربي، كما أن ثمة إقرارا ظاهرا في عدد من الأدبيات الغربية بعالمية اللسان العربي اقترنت بسياقات تحليلية تُبين أسباب هذا الإقرار، ومن تلك الأدبيات كتاب "إمبراطورية الكلمات.. تاريخ اللغات في العالم" لنيقولاس استر الذي يرصد فيه مجموعة من إنجازات اللغة العربية في مسيرتها وانتشارها، وتتمثل في الانتشار السكاني، وإزاحة لغات أخري من طريقها بمبدأ القبول الشعبي، والإنتاج الحضاري، فضلا عن الارتباط بقيم الدين.

وأضاف د. فهمي ومن تلك الأدبيات أيضا "موسوعة كامبردج في اللغة" والتي أكد فيها دافيد كريتستال أن اللغة العربية تتمتع بغني معجمي يرجع الفضل فيه إلي تأثير القرآن الكريم علي اللغة العربية.

وأشار د. فهمي إلي أن المطلب الثالث انصب علي محددات عالمية اللغة العربية اعتمادا علي: القابلية الذاتية للأداء من جانب النظام اللغوي للعربية، ومقبولية نظامها الخطي التمثيلي، فضلا عن الشيوع الكمي والكيفي بين المستعملين، وقابلية الانتشار، وكثافة الخدمة اللسانية الواصفة للغة العربية، مؤكدا أن هناك إقرارا بأنه لم يخدم قومٌ لغتهم مثلما خدم العربُ لغتهم، كما يقول فؤاد سزكين وغيره.

وفي محاضرة د. السيد إسماعيل محمد السروي أستاذ العلوم العبرية بكلية دار العلوم بالمنيا والتي جاءت بعنوان " تعريب العلوم في ضوء العبرنة الإسرائيلية، أكد أن الهدف من دراسته هو تفحُص واقع اللغة العربية والتوعية برسالتها واستشراف مُستقبلها من خلال النظر في موقف الإسرائيليين من العربية.

وأشار د. السروي إلي أن دراسته قامت علي عدة محاور تمثلت في  كشفه سعي الاستعمار إلي التشكيك في اللغة العربية والعمل علي إضعافها وإلغاء دورها؛ إيمانا منه بدور وقيمة اللغة الواحدة المشتركة في دعم وحدة الوجود القومي لأي شعب من الشعوب، وأهميتها في تقوية إحساس المتكلمين بها بهويتهم وتميزهم عن الشعوب الأخري، ودعم عقيدة الولاء والانتماء فيهم، فعمل علي قتل اللغات القومية لدي الشعوب المستعمَرة، وإحلال لغته محل لغتها؛ ليفقدها هويتها ويجعلها تابعة له في كل شيء.

ولفت د. السروي في كلمته الأنظار إلي إصرار الصهاينة علي إحياء العبرية، وتصميمهم علي استخدامها في جميع العلوم ومُختلف مراحل التعليم، ورفض كتابتها بحروف لاتينية، واهتمام الدوائر الرسمية في إسرائيل بشئون العبرية، مُشيرا إلي أنه في الوقت الذي راج فيه اتهام العربية بالعجز عن استيعاب علوم العصر، وشاعت الدعوة إلي وجوب إحلال العامية محل الفصحي وإبدال حروف لاتينية أو عبرية بالحروف العربية، أرادت الصهيونية اصطناع قومية لم تكن تملك من مقوماتها شيئا، واتجهت إلي زرع شراذم من اليهود المنشرين في أنحاء العالم في أرض لا يملكونها هي أرض فلسطين العربية، وسعت إلي توحيدهم ودمجهم لغويا وثقافيا بواسطة لغة واحدة مشتركة هي العبرية؛ من أجل تكوين سياسي مُتماسك.

وأضاف د. السروي في الوقت الذي عانت العربية إهمال أهلها عَمَد الكتابُ والمفكرون الصهاينة إلي جرجرة اللغة العبرية من القبر بعد موتها نحو ألفي عام، وعملوا علي إحيائها علي ألسنة المهاجرين اليهود، ورفضوا دعوة انتشرت في العشرينيات والثلاثينيات تُنادي بكتابة العبرية بحروف لاتينية، بالإضافة إلي اهتمام الدوائر الرسمية في إسرائيل مثل الكنيست ومجلس الوزراء واتحاد العمال بتطوير العبرية وصوغ مصطلحاتها الجديدة.

المداخلات

وفي مداخلته أكد د. عبد الحميد مدكور الأمين العام لمجمع اللغة العربية أن اللغة ا لعربية تواجه صعوبات كثيرة داخليا وخارجيا؛ وهو ما يتطلب يقظة وانتباها لمواجهة ذلك الواقع المرير، والذي من نتائجه أن خرجت العربية من الأندلس وإيران وتركيا وجنوب السودان وبعض أقاليم العراق، وطالب د. مدكور باستنهاض الهمم لتحطيم السدود التي تقام أمام اللغة العربية، وتعوق مسيرتها وانتشارها.