(رحلة بناء الذات)

من الأمورِ العجيبة حقًّا أن تكتشفَ فجأةً شغفَك بشيء منذ وقتٍ قريبٍ لم يكن في الحسبانِ،ولا من ضمن  اهتماماتك ، وإذا سألتَ عن السبب وراء هذا ، لا تجد  إجابة مقنعة غير أنَّ  قدرة جديدة وجديَّة بدت تطفو  لفهمِ هذا الشيء، واحتوائه بما يحمله بين طياته من رسائل بددت كل شكل من غموضٍ أوملل.

وهذا بالفعل ما تمَّ معي حينما أدركت فجأة أنني شغفت بقراءة الرواياتِ، بعدما كانت فكرتي عنها محبطة جدباء،فصار شيءٌ يتحرك في مخيلتي يدفعني أن أخطو نحو تجربةِ الكتابة ،أن أخوضَ بحر كتابة الرواية  بعدما كنت أكتبُ مقتطفات وخواطر بسيطة ، شيءٌ ما بدأ يغير التفكير ،يبعث روحًا تواقة للكتابة بنمط مختلف ، باهتمام أشد،بفكر أعمق.

سأخصُّ خلال هذه السطور بعرض تجربتي مع روايتي المطبوعة (امرأة بين ثلاثة) ،حيث إنَّها تحتل جزءًا كبيرًا من وجداني؛ لأنَّ فكرتها ولدت قوية في لحظة غير متوقعة ، فتقتْ في مخيلتي فجأة دون توقع، فشرعت على الفور تحت درجة عالية من الإصرار أني سأكملها للنهاية ، وكلما كان الملل يتسلل إلي كانت شخصياتها تشجعني بكل قوة أن أتمَّها للنهاية ،وقد وفيت بوعدي لهم.

في غمار أحداث الرواية عشت كل حدثٍ بكل قوة، تخيلته وكأنه مشهدٌ مجسدٌ أمامي تتصارع شخصياته بكل ضراوة، منذ أن بدأت بطلة الرواية (يمني )بسرد تجربتها ممثلة، أو بمعنى أشمل تنوب عن معظم تجارب نساءٍ كثيرات تتشابه مع قصتها ،أي نعم أنَّ الحياة فيها الكثير من العقبات، لكن أيضا كل إنسانٍ لديه الكثير من القدرات ،والمزيد من الثقة كي يزيل أمامه أي عقبة تسدُّ طريق نجاحه .

وهذا ما أثبتته الأحداث في المحور الأساسي وهو الشخصية الرئيسية (يمنى) وثلاث شخصيات (شوقي وصالح وعصام) هم الدعائم التي أكملت حلقة التواصل ،وكونت أحداث كل طفرة في حياة البطلة.

تقول يمنى:

هيمن علي شعورٌ لم أعرف له مثيلًا ،شعورٌ متراكم مكبوت منذ سنواتٍ كثيرة ،يحرقُ أحشائي ويمزقُ قلبي،،أتمنى لو أنهض وأدغدغ كل شيء أمامي،أصرخ ،بأعلى صوتي : إنني إنسان كبقية البشر ،في داخلي قلب يشتاق لكلمة حانية أو لمسة دافئة ،لكن الآن بركان غضب يغلي ،ويتوغل في جسمي ، نازعتني نفسي أن أثأر لكبريائي ........

شوقي وهو  الزوج المتسلط الأناني،  هو المرحلة الأولى التي أخذت البطلة المسالمة الساذجة إلى حالة من الضعف والعجز والاكتئاب، مرحلة فقد لكل معنى للحياة، أحداث حياتية روتينية كئيبة في سجن زوجي مقيت لا يعرف متى تنتهي مدة عقوبته.

(مرت السنوات تتقاذفني أمواجها ما بين شاطئ الوحدة والانطواء إلى شاطئ الصمت والخضوع ،عشت كطائر كسير محبوس خائف في قفص وهمي جاف بارد مفتاحه في يدي ،كلما حاولت أن أفرّ منه ،دفعتني الحياة إلى أن أقبع فيه وأتشبث بسيجانه، كي أحتمي من نظرة اليتم والشفقة التي أحسها في عيون الآخرين، لأجل أن أبتعد عن الكلمات الساخرة التي أسمعها من أولاد أبي وأبناء أمي ،حييت وحيدة صامتة خاضعة مستسلمة تنتظر فارس أحلامها الذي يخرجها من هذا القفص،لترى معه نور الحياة ،وتعيش أحلامها وأمنياتها،لم تمنعني وحدتي أو حزني أن أحلم أو أن أتفوق في دراستي ،فحب العلم رسّخ عندي متعة المعرفة ولذة الأحلام)


أما صالح شكري فهنا الطفرة التي أحدثت رجة في كل الأحداث ،هذه الشخصية هي الدعامة التي رفعت حالة الموت البطيء إلى إنعاش فوري لكل القدرات المفقودة ،والحقوق المسلوبة.

وعلى لسانه:

-علمتني الحياة أن أسلك الطرق الوعرة، ولا أهابها،عشقت أن أصنع النجاح بيدي وأصارع الفشل،صرت متيمًا في صنعتي،حاذقاً في إتقانها، أتوغل كطيف في نفوس الآخرين ،وأتسلل إلى عقولهم لأحلل ما يجول فيها!

هذه مهارات ومواهب لم تأتني من فراغ،أنهكتني وأخذت من عمري الكثير،حتى صرت أنظر في عين الآخر،فأدرك ماذا يريد،أسمع ذبذبات أصواتهم، أفطن لسمات شخصياتهم ،فأن تُفجَّرَ طاقاتٌ وقدرات مكبوتة داخل النفس من أسمى أهدافي،لذلك اختياراتي لهذه الشخصيات دومًا تثبت نجاحاتها وعبقرياتها.

وأنا الآن وقع اختياري على شخصية ليست بالهينة،حدسي يخبرني ويؤكد لي أنها شخصية لا تتوقع كم قدراتها ومستوى نبوغها،أتمنى أن تكوني فهمت ما بين سطوري،إلى لقاء آخر ...

شخصية المجهول عصام ، الشخصية الثالثة  (الفاكهة الممنوعة) التي نضجت في وقت ليس وقتها ،هي الأمنية التي يصعب تحقيقها لأنها ولدت في لحظة فوات، لحظة أولويات أخرى .

على النقيض شعرت بإحساس ناشئ مولود  منذ لحظات تجاه هذا المجهول ،يتفتق من ركام أطلال ممزقة في ثنايا القلب ،يتعثر ويختفي ثم يعاود مرة أخرى،لكنه غامض أيضًا لا أستوعب بدايته ولا أجد له تفسيرًا.


هل صمدت يمنى أمام التحديات التي واجهتها كي تخرج من مأزق الركون والاستسلام ،من قبو الحياة المميتة ؟

هل استطاعت أن تثبتَ أنها فعلا شخصية قوية ذكية تستحقُ التقدير والاحترام؟

هذا ما ستجيبُ عنه الأحداثُ ،وتكشفُ عنه عبر رحلة بناء الذاتِ.