يسير وحيداً في الطرقات تحت المطر، يرتدي سترة جلدية قديمة، ويسير دون وجهة. تكاد الطرقات تكون خالية بسبب البرد القارص، كلما ما مرَ أمام مطعم وقف، ونظر بحسرة إلى أولئك الذين ينعمون بالدفء، والشبع! وبطنه خاوية. يتساءل عن شعور أولئك. شعوراً لم يجربه قط.

 شعور المائدة الدافئة بحنان أب ووعاء مُلأَ بحب أم، لا يدرك نفسه حين يبدأ التحسر على طبق يقدم له، حين كان يعيش في الميتم طبقاً يحوي غضب طباخة الميتم التي تأخر راتبها!

هكذا تمضي ليالي علي بعد أن بلغ الثامنة عشر، وترك الميتم الذي نشأ فيه، كان بإمكانه البقاء في الميتم لمدة بعد إلى أن يجد عمل أو سكن لكنه سأم جحيم ذلك الميتم، وكان استعداد أن يواجه جحيم وصعوبات الخارج على أن يبقى ليلة أخرى بمكان يؤوينا بكسر أجنحتنا على قول اليتيم علي حين روى قصته قائلاً....

أمضيت الأسبوع الأول بعد خروجي من الميتم بالبحث عن عمل أياً كان، في طريق عودتي إلى تلك العمارة التي تركوها دون إتمام بنائها شبه مهجورة، صدفني رجل عجوز وددت بطلب المساعدة منه حين قلت: عفواً يا سيدي..

قبل أن أكمل جملتي شيئاً ما في داخلي أوقف لساني، أظنه الكبرياء! 

أكملت قائلاً :

-كم الساعة؟

نظرَ ببطء إلى ساعته

-أنها الحادية عشر يا بني.

-شكراً لك يا عم!

-العفو، لكن نيتُك لم تكن السؤال عن الوقت.

- نعم!؟

-كنت تودّ قول شئ لا تترد، وأخبرني!

 أنصرفت مسرعاً، وتركت خلفي العجوز يتمتم بكلماته.

عدتُ إلى ملجأي بينما أنا أتضور جوعاً، وحيرة بحالي، وإذ بيدٍ ثقيلةٍ تمسك بذراعي وتسحبني خارجاً، رحتُ أصرخ" توقف ماذا تفعل؟"

 ألقى بي خارج البناء، وزجني قائلاً: 

سوف أفقد عملي بسببكم هنا عمل أنشأت خاصة ليس ماوئ مشردين."

-أنا لستُ مشرد، ولم أقم بفعل شيء يضرُ بالمكان أساساً فور وجود عمل لن أعود إلى هنا.

-أغرب.

بينما أنا أنفض الغبار عني جاء رجل، وصرخ بالحارس الذي ألقى بيّ خارجاً. أقبل الحارس وتعابير وجه أمتلئت خوفاً يعلوه توتر، قال: اعتذر من الشاب على الفور

-لكن يا سيدي..

-قلت لك أعتذر.

 اعتذر مني وعاد إلى عمله. قال الرجل:

- لا عليك منه أنه يظن نفسه بهذا التعامل يحافظ على عمله، لقد سمعت ما قلته للحارس، صحيح ما أسمك؟

-عليّ

-أسمٌ جميل، أبي أيضاً اسمه عليّ، تعال معي.

-إلى أين؟

-ألم تقل قبل قليل أنك تبحث عن عمل ام أن هذا ما بدا لي!

-لا لا يا سيدي أني أبحث عن عمل منذ فترة، ولم أجد.

-دعكَ من سيدي بإمكانك منادتي بأخ يامن.

-حسناً اخ يامن...

عرض عليّ الأخ ابن صاحب شركة "العلى للانشاء والبناء" أن أعمل في إحدى شركاتهم، أعدُ لهم الشاي والقهوة وما إلى ذلك، مقابل مكان أبقى فيه وراتب لا بأس به!

بعد مرور شهر على عملي، أعلن نائب مدير الشركة، أي الأخ يامن، عن عودة المدير علي أبو الأخ يامن إلى الشركة، وأنه سيكون هنا خلال ساعتين.

خرج جميع الموظفين لأستقبال المدير، بينما أنا كنت أجهز له القهوة، حملتُ القهوة متجهاً إلى غرفة المدير؛ لأصدم بأن المدير علي هو العجوز ذاته الذي سألته عن الوقت قبل شهر، ارتسمت على وجهه ابتسامة غريبة، حين شرع الأخ يامن يخبره عني.

قال: تبدو لي شخصاً مألوف! 

-أجل كنت قد سألتك عن الوقت ذات مرة.

- لا يا بني مألوف بطريقة غربية.

- قال الأخ يامن: وأنا كذلك يا أبي حين رأيت علي للمرة الأولى بدا ليّ كذلك شعرتُ بأني أعرفه منذ زمن.

-قال المدير و الإبتسامة تعلو وجهه: تملك أسماً جميل يا علي. 

خرجت من عندهما مستغرب وجود أناس جيدون بالفعل في كوننا، انتهى يومٌ آخر، والأسئلة ذاتها تدور في رأسي، وتبحث عن إجابات: من هو أبي؟ من هي أمي؟ ولماذا رحلوا باكراً باكراً جداً؟

لأنام الليلة دون إجابة كباقي ليالي ثمانية عشر عاماً مرت. لأستيقظ وأوصل روتيني الملل، ولاشيء يتغير سوى الوقت ونظرات المدير لي تزداد غرابة.

إلى أن جاء اليوم الذي غير حياتي رأساً على عقب حين سألني المدير علي وقال: هل لي بسؤال يا فتى؟

-بالطبع يا سيدي

-ماذا تعرف عن والديك وكيف ماتا؟

-لا شيء سوى ما أخبرتني به مديرة الميتم.

-وبماذا أخبرتكَ؟

-قالت بأن المصلين وجدوني في ساحة المسجد عند الفجر، وفي رقبتي هذا الطوق ذو الشعار الغريب.

 لا أعلم ماذا أصابه حين رأى الطوق، أصبح شاحب اللون، ولا يستطيع أن يتنفس بشكل طبيعي، ثم بعد أن عاد وضعه طبيعياً خرج مسرعاً وأتصل بابنه يامن.

-يامن أعتقد بأني وجدت حفيدي. 

-ماذا أي حفيد أبي هل أنت بخير؟

-أبن أخيك مصطفى، أنه علي أنه يحمل الطوق الخاص بأبي الذي أعطيته لأخيك مصطفى حين بلغ الثامنة عشر، أبي أنها مجرد صدفة لا توهم نفسك.

-دعك من الطوق أنه يحمل نظرة مصطفى، ولفتته إني أرى مصطفى في ذلك الشاب أهذا أيضا صدفة؟

-حسناً سأقوم بالمطلوب لنتأكيد، وما المطلوب؟ فحص DNA

- أفعل ما يلزم لكن بأقصى سرعتك. 

وبطرقة ما حصل حصل الأخ يامن على شعرة مني، وبعد ظهور نتيجة التحليل، اتضح بأني الحفيد علي للمدير علي أغنى رجال البلد!

أخبرني جدي الحقيقة، تخيل أنت ردة فعلي حينها كما شئت فلن أتمكن الأن من وصفها.

 أمطرتُ بالأسئلة واللوم على جدي، شخصٌ مثلكَ ذو نفوذ و مكانة وسلطة كيف يصعب عليه وجود حفيده "المفقود"! أين أمي؟ أين أبي؟ 

-لم أكن أعلم بوجودك أقسم لك، وأخر مرة رأيت فيها إبني مصطفى كانت قبل عشرين عام حين خرج من البيت مصطحب زوجته أي أمك بعد شجار كبير معنا بسبب مساهمتي بالمنقصات غير الشرعية حين تركني على خيار بينه وبين أعمالي، لقد خرج من المنزل للمرة الأخيرة دون عودة وكان قد قطع كل ما يربطنا معه بصلة، إلى أن جاء خبر وفاتهما. لكن ها أنت ذا أمامي لتعوضني غياب علي، وأعوضك حرج السنين اليتيم.