صفق الجميع وهم يختمون أغنية عيد الميلاد بحماس شديد، ثم طلبوا منها أن تُغمض عينيها وتتمنى أمنية العام،

أغمضت وهي تشعر بالنعاس، وتمنت أن يمر هذا اليوم سريعاً.

أشعلوا الأضواء بعدما أطفأت شمعة عامها الجديد، وبدأ الجميع وبدون أي إبداع أو تجديد يتسابقون لتقديم الجملة المُقدسة"كل عام وأنتِ بخير"، تلك الأمنية الدائمة أن تكون بخير، وبعدها لا تجد نفسها إلا وهي تصارع الكوارث وتتلقى الصدمات في كل عام بعد تلك الجملة.. ومع كل عام يودع اللون الأسود بعض خصلات شعرها...شعرها الذي كان كإبنٍ لها، أسود مجعد، وشديد الكثافة، هارباً إلى أسفل خصرها.. لقد تخلت عنه بعد زواجها، ظناً منها أن تغييره سيجعلها مُتمردة وقوية.

بعد تقديم الهدايا، ودعها الجميع لتأخر الوقت، أو لأن غداً يوم عمل، جلست في الشرفة بجانب أزهارها الذابلة منذ شهور، مُبتعدة عن تحليلات وثرثرة وطلبات العائلة التي لا تنتهي، وفي محاولة مُرهقة لاسترجاع الشعور بالسعادة،،

-كيف كنتُ أفعلها؟ كيف كان الأمر؟ سألت نفسها..

قطعت ابنتها تلك اللحظة وقالت:

#لقد جاءت الخالة أميمة، وهي بالخارج.

*أميمة هي واحدة من أقربائها، ثرثارة، حصلت على عدة جوائز في إفساد كل اللحظات السعيدة، وأستاذة في التباهي بأي شيء تمتلكه، وفضولية إلى الحد الذي يجعل قتلها واجب قانوني.. لا تعرف شيئاً عن الاستئذان قبل الحضور*.

=مرحباً عزيزتي فريال، كيف حالك؟ ما هذه الفوضى في المنزل؟

-بخير، لقد كان لدينا بعض الضيوف.

=وما المناسبة؟

-عيدُ ميلادي، وأراد أصدقائي أن يحتفلوا به.

ضحكت بسخرية وقالت:

=هل أنتِ طفلة؟!

توترت فريال، وشعرت بالضجر، ولكن كعادة وجهها لا يتجرأ على التعبير، فابتسمت وقالت:

-دعيني أُحضر لكِ بعض الكعك.

دخلت المطبخ، فاستفردت بها الذاكرة لتعرض لها بعضاً من أسوأ مشاهد حياتها، وكأن وجود أميمة لا يكفي.

قالت ذاكرتها في سعادة، إليكِ المشهد الأول لهذا اليوم المميز.

[ في يوم ميلادها، أخبرت صديقتها المُقربة أنها تشعر بالحزن لإتمامها السادسة والعشرون، قالت:

-أشعر أنني قد كبرت، أو هكذا يُشعرني من حولي، فأجابتها صديقتها :

=عزيزتي، تمتلكين أكثر الملامح طفولية، ويجب أن يكون هذا الأمر عزاءً لكِ، فمن يراكِ يظُن أنكِ في السابعة عشر من عمرك.

هزت رأسها في إشارةٍ منها بالاقتناع، حتى لا تُزعج صديقتها أكثر بمشاعرها.

القاعدة الأولى "تذكري أن تقتلي نفسك قبل أن تُخبري أي أحد بحقيقة مشاعرك".

وفي المساء، وبعد خلود الجميع للنوم، استغلت ذلك الوقت، وجلست بمفردها في الشرفة لتدون مشاعرها بعيداً عن أنظار الجميع.

"غير قابل للنشر"، هكذا أسمت دفتر مُذكراتها.

"إنها الفترة الأصعب في حياتي، فترة المشاعر المختلطة، فمنذ انتقالنا إلى تلك المدينة الجديدة لم أشعر بالسعادة، وكأنني نسيتها في غُرفتي هناك بسبب استعجال أبي وأمي أثناء الانتقال.

إن هذه الفترة بالتحديد تجعلني مضطربة، فقد أخبرتني صديقتي عن مرض والدها الشديد، ثم جاءني خبر وفاة والد صديقة أخرى، شعرت بالحزن لأنني عاجزة تماماً عن فعل شيء؛ فأنا عندما كنت أحاول مراراً مساعدة الشخص الذي أحبه، كان يخبرني أن محاولاتي لا تُجدي، وطلب مني التزام الصمت، أو أن أتركه بمفرده، وهذا جعلني أشعر بالخوف كلما رأيت أحد المُقربين في وضع يحتاج فيه إلى المساعدة، ذلك الخوف من عجزي وعدم نفعي مهما فعلت.

وفي تلك الفترة أيضاً كانت أختي بحاجة لمساعدتي في أيام حملها الأول، حاولت بكل طاقتي أن أكون بجانبها وأفعل لها كل ما تطلبه، لقد شعرت بالإعياء والإرهاق الشديد، ولكني امتنعت عن إظهار الأمر، وأخبرتها أن السبب هو قِلة نومي لا أكثر.

فأنا خائفة لأن أختي دائماً ما تسلك طريق الابتزاز العاطفي معي، فتصفني في كثير من الأوقات إن امتنعت عن فعل شيء لأجلها بأنني لست أختاً جيدة، وأن صديقاتها يمتلكن أخوات أفضل مني، وهُن لا يترددن في فعل أي شيء من أجل أخواتهن، ودائماً ما تؤيدها أمي.

كانت أيام اختباراتي الجامعية، فقدت تركيزي بالكامل،

كنت بحاجة للبكاء ولم أستطع، لم أجد دمعةً واحدة تُنقذ الموقف، أصابني الأرق ولم أستطع النوم بصورة جيدة، توقفت عن الكتابة وفشلت حتى في سرد جملة واحدة مُفيدة، وكأن الأبجدية قد تركتني فجأة،،

وكأنني توقفت عن كوني أنا..

لا أعرف بماذا أشعر على وجه التحديد، ليست الكآبة ولا الحزن، ولا حتى الفرحة، ولكني متأكدة من شيء واحد، وهو أنني وحيدة جداً الأن.

ولكن هناك جانب جيد، وهو أن وجهي ظل كما كان، لا يبوح بأي شيء، وتوقفت عن الشعور بالحب، والثقة وتلك المشاعر الطفولية التي كلما تذكرتها ضحكت سخريةً من نفسي،، لقد أصبحت واقعية تماماً، وهذا كان مطلب أمي على الدوام.

أجدُ نفسي بين أمرين، مواكبة ما يحدث ومتابعة الأمر بين أبناء جيلي والأجيال الأخرى، أو البعد عن كل هذا لأنه يشعرني دائماً أنه ينقصني شيء ما، ولأنه بدل كل معايريي وأهدافي فجأة، وظننت أنه يجب علي أن أتزوج بشخص وسيم وجميل الهيئة، حتى أستطيع أن ألتقط معه الصور وأنشرها بين أصدقائي...

بالأمس كان حفل زفاف أحد الأقارب، ذهبت مع جدتي لأنها لا تقدر على الذهاب بمفردها،،

"العُقبى لكِ"، قالتها لي إحدى النساء، فأخبرتها مازحة أنني لا أريد،، وكزتني جدتي، فقد نبهتني مراراً أن يكون ردي مهذباً كأي فتاة طبيعية، فـ القاعدة الثانية تقول "من تقول لا أريد الزواج، فلن تتزوج طيلة حياتها، وستعيش وحيدة للأبد".]

أنقذها من ذاكرتها صوت زوجها وهو يخبرها بنبرة حادة، أنها تركت قريبتها وحدها طويلاً.

وضعت أمامها طبق الكعك، واعتذرت عن تأخرها، فقالت لها أميمة:

=هل أحضر لكِ السيد ناجي هدية؟

وقبل أن تُجيب، أكملت أميمة:

=إنكِ محظوظة يا فريال، فأغلب الأزواج لا يتذكرن من المناسبات إلا رمضان وما يعقبه من أعياد، يجب أن تكوني ممتنة لزواجك من السيد ناجي.

-بالطبع أنا ممتنة لذلك، تذوقي الكعك.

لم تكن أميمة تنتظر إذناً للبدء في تناول الكعك، وفي تلك اللحظات أغلقت ذاكرة فريال الستار على أميمة لتعرض لها المشهد الثاني.

[ تذكرت حال إحداهن "وقد كانت لا تتمنى أبداً أن تكون مكانها تحت أي ظرف".

متزوجة منذ خمسة عشر عاماً، كتبت عنها في مذكراتها:

أشعر دائماً بالشفقة عليها، فـ هي لا تُعبر عن مشاعرها، وكأنها لا تعرف الكيفية، وأظنها لا تجد مشكلة في الأمر.

عندما أقابلها لا أجد لها سوى حالتين، إما غاضبة على أبنائها ويرتفع صوتها، أو ساكنة من شدة التعب لا تُصدر همساً.

في محاولة مني لأساعدها في التعبير عن ما بداخلها، سألتها ماذا يمثل لها الحب، والعناق، فاستغربت السؤال وقالت في عدم اهتمام:

=إنها تلك الأمور التي كنت أقرأها في الروايات، خيالُ مُراهقات فقط، ليس أكثر.

-لماذا؟

=قرأت مرة في إحدى الروايات عن الفوائد النفسية للعناق، فجربت الأمر مع زوجي عندما شعرت بالتعب من أعمال المنزل، فأخبرني أنه مُتعب ويحتاج إلى النوم، وأن الوقت غير مناسب لفعل شيء.

كنت فقط أجرب العناق، أو أحتاجه لا أدري، خلاصة الأمر أن كل تلك الأمور محض خيال، رفاهية ليست لمثلي.

إن الجميع يشعر بالسوء لأجلها، ولكنها من ناحية أخرى تشعر فقط بالحاجة إلى النوم واختفاء أبنائها لبعض الوقت،، وأنا عندما أفكر بأمرها أشعر بالإعياء، فأنا أكره مثل هذه الحياة.]

لاحظت أميمة شرودها، فقالت في ضيق:

=يبدو أنكِ غير سعيدة بوجودي.

-سامحكِ الله يا أميمة، لا تقولي هذا.

=على كل حال لقد تأخر الوقت، ويجب أن أذهب.

لم تطلب منها فريال البقاء، وأوصلتها إلى الباب مودعةً إياها.

وجدت أن الجميع قد نام، ولم ينتظرها أحد وقت تناول العشاء، بالرغم من علمهم أنها لا تتناول الطعام بمفردها أبداً،،

إضطجعت في ملل على الأريكة في صالة المنزل، وفتحت دفترها وقرأت بعض ما دونته على مدار تلك السنين، فكان أخر شيء دونته منذ عامين، عندما سمح لها وقت خلوتها بذلك.

[ بطلة اليوم، إمرأه قاربت الخمسين من عمرها، أبنائها أطول منها، ما زالت طفلة، ولكنها تخاف من إظهار تلك الطفلة حتى لا تكون موضع سخرية وملامة، وحتى لا تُحرج أبنائها، فـ آخر مرة تصرفت بمرح كان في حفل تخرج ابنتها، ولكنها وجدتها تنظر إليها نظرةً تقول "توقفي، لقد أحرجتني بين صديقاتي".

عندما أتحدث معها بمفردنا أشعر أنها في العشرين أو أصغر، رغم تلك النظرة الفاقدة للأمل في كل شيء، فأشعر بالحاجة لأن أُبكيها.

أعرفها عن قُرب، وأعرف حالها مع زوجها، تخاف منه، من ردود فعله القاسية، ومن عدم رضاه عن الطعام وعن جسدها، ذلك الجسد الذي تزوجها من أجله، عندما كان معجب بقوامها.

أشتعل غيظاً من سكينتها وقلة حيلتها.]

كان الدفتر قد تبقى منه صفحةً واحدة فقط، فكتبت بتاريخ اليوم:

هذا آخر ما سأدونه، وسأكتب بصيغة المتكلم لا الراوي، فأنا أشعر بالحاجة لأن يعرفني أي شخص *حتى لو كان هذا بعد مماتي*،،

إن تلك النساء اللاتي كتبت عنهن، هن أنا..

واليوم أتممت الخمسين، وأنا ما زلت خائفة لم أجد الآمان، ولكن يُحسب لي الإنجاز الأعظم في حياتي وهو أنني توقفت عن سرد ما أشعر به، ودفنت نفسي بين كلماتي، فـ البوح بالحقيقة له توابع خطرة.

لم تشعر بالرغبة في كتابة المزيد، فختمت،

(حقيقة مؤسفة،، للجبناء مثلي فقط) :-

"ستجبركِ الحياة على التنازل، عن كل ما يجعلكِ سعيدة، حتى تُقنعكِ أن ما تنازلتِ عنه خائفة أو مُجبرة لم يكن حقكِ أبداً".

#سلمى_إسماعيل