تفقد روبرت مركبه الصغير المحمل بالبضائع ، لم تعد حالته جيدة و قد كان يدخر لشراء مركب أكبر ، قضى أسبوعا كاملا في البحث عن السلع الرائجة و بعض الخضر و الفواكه الطازجة ، رحلاته بين مدينتي آرل و أفنيون كانت تستغرق حوالي الأسبوعين ذهابا و إيابا و سيتمكن من نقل الأشخاص و البضائع معا لو اشترى مركبا أكبر فالتجارة على نهر الرون  مزدهرة جدا . فكر بأنه سيتمكن من اتمام الرحلة التجارية إلى مدينة ليون أيضا لو كتب له تحقيق حلمه .

رسى القارب في صباح يوم السبت على الضفة اليسرى لنهر الرون و عاد إلى منزله متعبا ، كان يعيش بمفرده منذ وفاة والدته و تعلم أن يقوم بكل شؤون المنزل بنفسه ، لم يكن مستعدا للزواج و تحمل مسؤولية أسرة فقد كان يفضل أن ينمي تجارته .

نام روبرت حتى المساء  ثم خرج لشراء بعض الطعام و عاد سريعا إلى منزله ، نظفه بهمة و بدأ بغرفة والدته المتوفية منذ سنة ، مازال يحتفظ بكل أغراضها ، اعتنت به جيدا منذ وفاة والده قبل عدة سنوات بسبب مرض السل ، كانت تبيع خبزا لذيذا و كان سكان القرية الصغيرة يحبون طعمه جدا ، أكمل ترتيب المكان الصغير قبل أن يجلس على كرسي والده الموضوع قرب النافذة . قرر الذهاب للجلوس على ضفة النهر فقد كان المنظر جميلا .

تلألأت النجوم على مياه النهر  و انعكس ضياؤها على كل المكان ، نور أزرق رائع  ملأ المسافة بين السماء و الأرض و كأن الشمس لم تغرب كليا في تلك الليلة الرائعة . لمح جاره و زوجته يتمشيان أيضا ، يبدو أنه لم يكن الوحيد الذي سحره هذا الجمال . جال بنظره قليلا فقد كان يبحث عن ابنة جاره الصغيرة ، لعلها بقيت في المنزل ، تعجب في قرارة نفسه لأن ذلك لم يكن من عادتها.

أحس بيدين  صغيرتين تغمضان عينيه ، صوت هادئ سأله : من أنا ؟ 

نزع اليدين من عينيه برفق و قال : فيرونيك الجميلة .

كانت ابنة الجار الشقية ، كانت بعمر الثماني سنوات و لكن ذكاءها فاق عمرها ، جلست بجانب روبرت و سألته كعادتها : أخبرني عن رحلتك .

حكى لها روبرت عن تفاصيل رحلة ذهابه ، عن العاصفة وعلو الأمواج و عن صعوبة الإبحار بالمركب الصغير في النهر الهائج .

فيرونيك : هل تعلم بأنني لا أخاف الموج مثلك تماما ، لقد تعلمت السباحة جيدا ؟ 

روبرت : و لكنني أخاف يا صغيرتي ، لدي الكثير من الأحلام التي أريد تحقيقها .

فتحت عيناها متعجبة مما سمعته : هل تخاف حقا ؟ رأيتك تبحر كثيرا في طقس سيئ .

_ذلك لا يعني بأنني لا أخاف .

_ أنا لست مثلك إذا يا روبرت ،أنا لا أخاف  " نهر الرون لا يغرق أصدقاءه " ، رحلة العودة كانت هادئة ، أليس كذلك ؟

_ نعم كانت هادئة جدا .

_ بماذا تحلم يا روبرت ؟ 

_ أريد أن تكون لي أموال كثيرة كي أتمكن من مساعدة العائلات التي لا تملك معيلا .

_ تريد ذلك لأنك عشت ظروفا قاسية مع الخالة " ماري " حين توفي والدك . 

_ ربما .

_ الكبار يتغيرون دائما ، ينسون وعودهم و أحلامهم غالبا ، والدي  يقولان الكثير من الأشياء التي لا يفعلونها ، ربما تصبح مثلهم فلا تتحدث عن أحلامك لأي أحد كي لا تكون كاذبا لو لم ترد تنفيذها لاحقا .

لم تنتظر الصغيرة جوابه بل قفزت  بخفة إلى الأرض و قالت : سأسافر ذات يوم و سأتجول في أماكن جديدة . و لن أخبر أي أحد حتى أنت يا روبرت عن أحلامي ، سأحققها كلها .

 ثم جرت باتجاه والديها و أمسكت يديهما . لوح الجار للشاب و غادرت الأسرة الصغيرة المكان  .

أحس بالوحدة قليلا فقد أشعره حضور فيرونيك بالسعادة ، كان كثيرا ما يتعجب من كلامها ، تساءل في قرارة نفسه : هل ستتغير يا روبرت لو صرت غنيا ؟ هل ستنسى العهد الذي قطعته على نفسك ؟ 

  تأمل المياه التي كانت تنساب بهدوء ، كانت والدته تحب الجلوس في هذا المكان كثيرا ، كان يحمل الكثير من الذكريات الجميلة التي لن ينساها أبدا . كلام فيرونيك جعله يعاهد نفسه عهدا جديدا و هو أن يلتزم بتحقيق حلمه و بأنه لن يسمح لنفسه بأن يتغير ، تلك الشقية تجعله يفكر كثيرا دائما . تأخر الوقت دون أن ينتبه ، عاد إلى منزله و نام فورا ، ينتظره يوم شاق غدا .