اختلت ليس ببعيد من فسحة الذّاكرة حيث لا تزال أنوار الماضي الجميل تملأ تلك الزاوية من قلب العاصمة بعضاً من حنان تلك الأيّام الدافٸة .. تلتمس جدران البيوت العتيقة و طلائها الأبيض المقشّر، و تلك البيوت بعمارتها العثمانية، تلك الأعمدة الخشبيّة ما زالت تزيّن شرفات البيوت و تحاكي الزمن و تصرّ على الصمود رافضةً الرضوخ، هاهي عروس المتوسط قلعة كالهـــرم بطرقاتها المموّجة و الضيقة تحكي تراثًا معماريًا و جمال ثورة و تاريخ مشتعلاً،

كانت تقاوم لاهثةً تحتضر آخر انفاسٍ من أعوادِ الأماني و ضحكات الصغار بالحيّ العتيق تنادي و تهرول من بين قدميها تنافسها في النزول ،لم تكن تخشى الوقوع بل لازمتها فكرة منافستها لو لا ان خانتها عصاها مع المنحدر... و إن غرس الحنين على جوانبها ذاك النغـــز فلم تكن ترى غير ذاك البريق أخر الطريق حين كانا يترافقان طفلين عبر أزقة القصبة نحو حي باب الواد و كان يمسك بيدها و يقول لها :

- سأكون مثل أبي مجاهدًا سأتعلّم حمل السلاح لأطرد المستعمر من بلادنا يا "حسناء" 

لم تكن تدرك حينها من كلامه إلاّ ما ذاقته من سنوات المعاناة و الفقر و ذلّ الاحتلال و لم تكن تعلم أنّ للقدر راي أعلى شأنًا لابن العم ،الطفل الضاحك هذا الرجل في جسد الطفل ذو الاثني عشر عامًا .. و بعد خطوات النجدة المنادية عبر الدرج و عبق الأيّام المرتجل أمام البيوت ترافقا هنا مجددًا شـــابين و البندقية على ظهره بطلاً و قد عرفت معه عندها عزّة الوطن و كرامة العيش كيف تكون ..

مازالت البيوت رغم ما غيّرت منها ضراوة المناخ و الزّمن لكنّها تأجّج بداخلها فكرة حمل السلاح و علت من حنجرتها ذاك اليوم زغرودة استوطت شقوق الجدران و اخترقت نوافذ البيوت و مازالت هناك تسكن و هاهي تسترجعها اليـــوم ..

لم يغب ذاك اليوم من عينها و هي تمرّ بأروقة شارع ديدوش مراد الذي كان يومها يسمى شارع ميشلي و إن تغيّرت الأصوات و الوجوه لكنّها كانت نفس الهتافات تبشر أنّه نفس الدّم في العروق لم يتغير، ترسم مخيّلتها الذكريات سار من هنا ذاك اليوم حاملاً علـــم الوطن يجرّها راكضاً بين المتظاهرين ينادي تحيا الجـــزائر كباقي الرجال في السّاحة ، كان علي كالوحش الظاري تقدّم نحو الجندي هشّم وجهه و قد غرس قبضته في معالم وجهه كالقشّة البالية تلك الصورة عبرت كمسحة الفخر على ملامح وجهها البهيّ النّير و هو يقاوم و يهتف "الجــــزائر جزائرية" حتى استقرت بصدره حمامة الشّهادة و رفعته عاليًّا من بين الجموع روحًا مضرجًّا بدمائه الزاكيات الطـــاهرات سما من بين عينيها حتى كادت ترفرف روحها معلّقة على جناحيه و نظراته التي علتها جزر الفردوس العلي شهيــــدًا فداءًا للوطـــن شرخت قلبها و تركت لها نصفًا داميًّا من وجعٍ لا تُسكته إلا رحمات من اللّه و صبر ، كان جنود المستعمر يحاوطون المتظاهرين و يصبّون عليهم أنواع العذابات بوحشيّة، في هذا المكان علا الحقّ و أودِع الباطل في سِـــلال البهتان و كشف المستور و أُشهرت كلمة النصر عبر المحافل الدولية أنذاك،

ذلك الرّجل الذي أحّبته حتى العظم، ذاك الفارس النبيل لم يكن بمدارج الحبّ  العادي ليصّنف و لا العشق ليعّرف ، كان روحًا ليس بمصاف البشر ملاكا ًجزائرياً حرّا أبّيا ،أذاب في عروقها الشّعور بالأمان، رغم شبح المّوت المتربّص من كل جانب ..

هاهي الآن تسير ساحبةً عمرها السبعيـــن على درجات القصبة كل خطوة بسطرٍ يدقّ طبلاً بذاكرتها كيف كان الحيّ عندها ،كان يعجّ بالصبّية و و لكنّهم كانوا رجالاً كانت الزغاريد تنعش سمعها بإنذار نصرٍ قريبٍ في الأفق يلمع رغم رصاص الأعداء المدوّيـي، غلبت زغاريد حرائر الوطن، و نازعت تضحيّة الرّجال ظلم المستعمر فأوقفت نزف الحصار و أوجعت قلب الظـّـالم، كان الرمح فيها و الموت قادم نحوها رغم محاولاتها البائسة للفرار من القدر المحتوم ..كانت هناك معه شابّةً في العشرين أبت إلاّ أن تدوّن معه بجموحها و قلبها الرجولّي الناضج كتفًا بكتف، كانت تضجّ بقوة اللّبؤة و هي متمسكة بيده لم تكن تخشى شيئًا، كان العلم الوطني يرفرفُ و الشّعارات تُرفع عاليًّا و كلّ شرائح المجتمع تطوّق الشوارع الرئيسية الحراش باب الـــواد ، القبة ..

ما تزال لقاءاتها مع ذكرياتها كلّما مرّت من هنا تلفّ القلب كضمادات تطيب بها أوجاعها ..ليته يعلم بأن من تركه مضغةً في بطنها ذاك اليوم أصبح أملاً مشرقًا و من صلبه جاء البطل الجديد سيحمل راية الوطن مهما كانت الظروف، مازال مُذّاك اليوم يعيش فيها لم يكبر و لم يمت ، اليوم هو يركض أمامها مستقبلاً بأحضانه الحيـــاة يقول :

- سأحمي الجـــــزائر، سأكون مثل جدّي "عَلِي"

اليــوم يقف مع الحراك الوطني في ساحة البــريد المركـــزي يقاوم رافعًا راية الوطن الغالي و ينادي بالاستقلال عن رؤوس الفساد ،هو نفسه بذاك البريق ذات الطفل ذو الاثني عشرعاماً..

علّت ثغرها ابتسامة أزاحت بتجاعيد الزّمن التي ملأت وجهها، و همست لنفسها و عينِيها مازالت تحدّق بحفيدهما "عبد الحميـــد" :

- قد أورثتَه مَا هُو أغلى من المــَـال و الجــَاه ،نَمْ قـــريرَ العَين في فــِـردوسِ الخٌلد يا زَوجـــي..