كانــت في الثانية عشرة من عمرها حينما قررت أن تتبنى حيوانًا أليفًا و تحديدًا بعيد ميلادها فرغم المعارضة الشديدة للفكرة من أهلها غير أنها نالت ما أرادت، و بكل فخرٍ كانت الأولى في العائله التي تحصل علي كلب و قد كانت أنثى اسمها " ليلــي" ، عــانت وفـــاء في البداية من تذمّر سكان حيّهم و شكواهم المتواصلة لوالدها عن عواقب تربية الكلاب و خطورتها..مما زاد في شقائها و خوفها من أن يساهم إلحاحهم غير المبرر – بنظرها - بتغير رأيه فيطردها ..و دفاعًا عنها كانت تلازم ليلي في كل مكان في البيت و تعبّر عن حبّها و تعلّقها الشّديد بها أمامه، مما خلق لديها مشاعر لم تستطع التخلص منها أو إغفالها، و مع مرور الوقت أصبحتا متلازمتين و متصلتين جدًا .

لم أستطع أن أنسی هذه الحكاية رغم مرور كل تلك السنوات، فقد كنت أحسدها على قوّتها و جرأتها على تربية ذاك النوع، بدلاً من اقتناء قطّة تناسب عمرها و طفولتها في ذلك الوقت ..

كانت وفــاء تجالس ليلي طوال الوقت و تخبرها بكلّ تفاصيل يومها كأنها تحادث صديقًا يبادلها الكــلام و التعبير،  فلا تكاد تُرى وفاء دون ليلي أبدًا ..امتزجتا لدرجة أنهما أصبحتا توأمتين ..مرّت السنوات و وفــاء تخرج مع ليلي إلی الشّارع تسير برفقتها بأزقة المدينة رافعةً رأسها شامخةً بشخصيتها .. و ليلي تحرّك رأسها نحوها كأنها تبادلها نفس الشّمـــوخ ..كان الحبّ الذي بينهما هو الوفاء في أصدق و أرقى صوره ، وفـاء التي ولدت وحيدةً دون إخوة ..عاشت أسعد من أيّ شخص آخر .. لم يكن أحدُُ يعلم أن كلاهما يحتاج الاخر بنفس القوّة وأنه لا يستطيع الاستغناء عنه ..كان هناك سرّ بينهما بلا شك ..سر أعمق من أن تفسّره الكلمات، فقد اكتفت النظرات بينهما علی التعبير، عند من يتقن فهم الصداقة الحقيقية .

في ذلك اليوم مررت بالشّارع كما أفعل كل يوم عائدة من عملي ..رفعت رأسي و لم أتوقّع رؤية غير المشهد الذي اعتدت أن أشاهده ، أم وفــاء تجاور ليلي عند النافذة تحادثها بسعادة كما كانت وفــاء تفعل معها، لکنه کان رجاءًا خجولًا،  علّ الزّمن يعيد إليها تلك اللّحظات ..هي الآن تنتظر عـودة الإبنه الغائبة.. قالوا عنها فقدت عقلها ..يوم أُسدل الستار عن عمر وفــاء ..و هي في الثالثةِ و العشرين من عمرها ، فقد بقيت ترتقب عودتها كما اعتادت، و ما أبشع الاعتيــاد حين يكون كدورة الحياة لا يتوقّف عن المرور بنا، مهما حاولنا التهرّب أو الاختفاء..

في كل مرّه كنت أمرّ من هناك ..لا أتحمّل نفسي من هول هذا المنظر الذي بات يشتدّ علی قلبي ، لا أنا أستطيع أن أخبرها أنها لن تعود، و لا أنا أقوى على نظرات ليلي الشاخصة نحو المدى ..

تـــرى ..

من كانت تتحرّق أكثر لرؤيتها.. الأم ، أم ليلي ..؟