سلامٌ..


لكل ذرّةٍ فيكَ تُحبّ الله..لكلّ نبضةٍ لا تذهب هباء، ولكل لحظةٍ لا تندثر! مشتاقٌ لك والانشغال عنكَ صعبٌ موجع، لكنّي أحاول والله أن أكتب لك، أنت بالذّات، ربّما لسرٍ خَفيّ فيك، أو لقلبٍ حَيِّي بي، أو لروحٍ توّاقةٍ بيننا، تحمِلُ همّةً رَضِيّة وخطوةً قويّة، ربّما أجد فيكَ ذاتي، ربّما أحِنُّ إليك ولَم أراك.. تكثُرُ "الرُبّما" ويَقِل البَوح يا أخي، لكن الذي أعلمه الآن.. أنّي أحبّك.


علمتُ أنّك على حافّة الفتور، كتبتُ لك رسالةً من وحيّ سورةٍ هي رفيقة دربك ولُبَّ قلبك يا أنفاسَ الصّادقين، وخطوة الصّابرين، وهمّة العابدين..عِدني أولًا أن تقرأ الحرفَ ألفًا والشُّعور مداد، إن الأمواج دونك ساكنة، والسُّكون يا خَفِيَّ الأثر ليسَ لنا.. مستعدٌ أنت؟ هاتِ قلبك. بسم الله 


• ألم نشرح لك صدرك: 


ألم نشرح: تنبؤك همسًا أنّ الانشراح حاصلٌ مغروس، والإدراك فاصلٌ مدروس، والشّرحُ ينفذ إلى أعماقٍ ساكنة، مشتعلة، غير مستقرةٍ لتهدأ، غيرَ مُبصرةٍ لترى، يُحدثُ انقلابًا بك، يُعيدك إليك..فالشّرح هديةُ الله لقلبٍ حّيّ، كما أنه لم يُسند ظهرك مثل الله أحد، لن يشرح صدرك سواه، وانتبه أن الشّرح بالصّدر لا بسواه، بما فيه و ما احتوى وارتوى= ليسَ بالعقل ولا بالجسد! إنّما هناك، عند مادة الاختبار "إلا من أتى الله بقلبٍ سليم" وهناك يختبئ رأس خيط السلسلة.


• و وضعنا عنك وزرك: 

بين الضحى والليل، تكون مادةُ التغيير، يتقلّب الإنسان بحنان الله وألطافه، وقانون الأفول= دوام الحال من المُحال، فدوام الذَّنب كرب، وغفرانه قُرب، وبينهما سجودٌ يضع عنك وزرك، أي حينَ تستثقلُ التّكليف بادِر بالتّخفيف، وتخفيفُ الأثقال بالإنزال، وإنزال الأحمال بالإقبال .. فاقترب.


• الذي أنقض ظهرك: 

يغلُبُ على العميان الفطنة لأن عيونهم حَلَّت في قلوبهم، ويغلُبُ على المُبصر العمى إن التفت.. هنا يضع الله فَهمك على ملمحٍ جمييييل! أن أعباء بالابتلاء جَلاء، تَجلي عنك همّك إن أهَمّك وتؤتيكَ سؤلَك إن صَبَرت، عينُ الفهم هنا أن ترى ما الذي ينقض ظهرك؟ ما تضمره في دواخلك، قيمَتُكَ بما يَحمِلُكَ وتحمله، بمقدار الاصطبار يكون الاختبار، وبمقدار الحِمل تظهر العوائق .. إنما يُعرف البطل بـ همّه وهمّته وعليه تكون مَهمّته. 


• و رفعنا لك ذكرك: 

يُرفع الذّكر بالإخلاص لا بالتَّصَنُّع له، رُفعَ ذكرُ النّبي في الأذان، والإقامة، والتّشهد، وفي رسالات الأنبياء ونفوس الأتقياء ومسار الشهداء و رُفِعَ في نفوس أصحابه فتَجذّر..كانت حياتُه مُوزّعةً على حياة الصّحابة أجمع.. في كُلّ ذرةٍ من دواخلهم كان مُحمدٌ يتربّع.. ألَم تلحظ تنبيه الله لك في مساريِ الإخلاص والغرس؟ أن تُخلصَ له وتغرس إليه = يرفع الله ذكر من حَنّ. ثُمَّ اتَّبَع.


• فإن مع العُسر يسرًا

 إنّ مع العسر يسرا: 

آية الإبصار، التّعمق في التفاصيل، الإلهام من دقائق الأمور وجليل الشّعور ومسارات الإدراك والحِراك، انظر العسر في قلب اليُسر ومعه وبين جنبيه، اليُسر خبيئةُ النّفوس الصّابرة، "من قَلّ مما يتّقيه اصطباره فقد قَلّ مما يرتجيه نصيبه" فإن الصّبر عمل أرواح لا تعبُ أجساد! تأمّل معي.. بعد العُسر يسرٌ وبعد اليسر عسر، أي أن التَّقلُّب سيد المرحلة والتبديل محتوم الحصول، هذا يؤتيك قانون دوام الإمداد = (نُعِدُّ في العسر لليُسر وفي قلب اليُسر نستعد). ليس هناك فراغ! أنت دائم العُدّة والعمل.. ولا تنسَ قانون الأمل=بقدر الإعداد يكون الإمداد. 


• فإذا فرغت فانصب:

آية اللافراغ! كُلّ الذي سبق يهمس لك ألا تقف.. أليس كذلك؟ الآية هنا تُمسك يدك..تضعك على موقعك الصّحيح من الميدان، تزرعك حيثُ أنت بكل ما تحمل مما سبق، من شرح الصدر وتخفيف الأثقال وإدراك المهمّة، إلى الإخلاص والتخليص وإبصار اليُسر في قلب العُسر، والإمداد المستمر.. تُخبرك ألّا تتفرّغ! الفراغ ليسَ لك، بين عبادةٍ شعائرية وحركيةٍ تكمن المسألة، مثل اختبار الاستقامة في الفاتحة.. إن فرُغتَ من إهدنا الصّراط المستقيم في الصّلاة فانصب لها سَيرًا وبها عملًا يا فتى، فهي تُنطَقُ في الفاتحة لتكون بعد الصلاة فاتحة. 


• وإلى ربّك فارغب:

آية التّسليم، أن تأتي بمجامِع ما احتويتَ إليه.. أخبرتُك يومًا أنّه يعلم ما بقلبك قبل قولك لكنّه يُهديك كينونة الدّعاء حتّى تذوق لذّته؟ هي كذلك .. "تذكر ولقد نعلم أنّك يضيق صدرك بما يقولون" هي كذلك .. تذكر "الله ولي الذين آمنوا" هي كذلك .. تذكر "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"؟ هي كذلك .. أن تنتزع منك الأنا إليه فما كانت نقطة باء الحُبّ دونه. 


>> ضَع يدك على قَلبك، ورَدّد معي: أعيذك برب الفلق من كُلّ غرق ظننته صلبًا وهو فُلكٌ من ورق 


إذًا يا قلب أخيك .. الشّرحُ مسيرة

والسّيرُ إلى الله جُلّه قلب، فاستَقِم كما أُمِرت