لا أفهم هذا الشَّغَف..


 الذي يعتلي اهتمام الناس في شهوة الكلام! شهوة الدخول في كل معترك، شهوة أن أضع لنفسي مكانًا -ظاهرًا- عند كُلّ حدث، أن تُلهيني -الماجَرَيات- عن الأصول والثوابت، أن تأخذني الجدالات العقيمة والهاشتاغ عن تهذيب نفسي و غيري، أن تُعميني عن فهم الواقع و تقييم الدوافع، أن أعتبر مجرّد تعليقٍ على منشور انتصارًا، أو أن أعطي تراشق الاتّهامات اهتمامًا وسَعة.


تعلَّمتُ أنّ ما أعلمُه أتكلم فيه، وما لا أملكه علمًا فهمًا وأدَبًا فلا أصِلُ إليه ظاهرًا ولا أخوض فيه، فله أهله وللخبز خبّازه، و بذات الوقت لا أحرم نفسي نقاشًا ولا سؤالًا ولا بحثًا لكنّي أستتر عن شهوة الخوض ظاهرًا في كل شيء.


لن ننال التَّمكين ونحن في ارتجافٍ دائم أن يُقال على أحدنا "شيخ" أو "ملتزم" أو صاحب فكرةٍ وقضيّة -ولو كان وحده- فالله مطّلع على قلبٍ منفرد، ولو كُنتَ في جماعة! ولن ننال التمكين ونحن لا نعرفه بالأصل، أو أن نتنازل مرةً وألف مرةٍ أخرى..أو أن ننحازَ لفئة دون أخرى والكل تحت مظلّة الإسلام! كَفانا.


نعيشُ في ظلِّ أولئك..


الذين انتشلوا قلوبهم من ظهورٍ يَضُرُّه، ولحظاتهم من ماجَرَياتٍ تقصف بركتها، ومن مُلهياتٍ تهدمُ بناء أُمَّة، نعيش في ظِلّ أنّاس اجتباهم الله، اختارهم وهذَّب فيهم المَسار


جلستُ يومًا مع صديقٍ لا يمتلك حِسابًا على أيّ مواقع للتواصل إلا -يوتيوب- ولا يتواصل فيه بالأصل إلا مع نفسه.


قال: من لطائف الله بك أن يجعل للدقيقة في وقتك أهمّية، أن يؤتيكَ حُبّ الامتلاء، أن يحجبك عن شهوة الكلام، أنّ ينتزع منكَ وَلَعَ المتابعة، و يؤتيكَ شَغَفَ التحسين المستمر، أن يغرس بك فَنّ الصَّمت إلا له، وتدرك المعنى من كل شيء حولك، فيسقيكَ سلامة الصَّدر 


• من رحمته أنّ يُهذِّبكَ لدربه و يصنعك على عينه، ويُتِمَّ نعمته عليكَ بالستر، لترضى عنكَ مطمئنًا لك غير آبهٍ بإعجاب فلان و تعليق آخر، ومن رحمته أن لا تخدش سرًا وخبيئة، فلَذَّة السرائر بالإخفاء تعلَمُها..و رُبَّ بَوحٍ أورَث حرمان!


• من رحمته الخفيّة، أن يُبعدكَ عن ارتباط قيمتك بعدد متابعين، وارتباط رضاكَ عن خُطاكَ إن رَضوا، ما حالُكَ و كلمتك مسموعة و وجهك مألوف! لكنَّك في السّماء مجهولُ الأثر!!


وأهمس لك..استمر يا أخي ولا تَهُن! لا تقف وتترك لغيرك الميدان، لا يعني وجودك في المواقع حرمان، لكنَّ الابتلاء هناك أشَدّ، فاشتَدّ!! والزَم دينَكَ وَاعيًا بالواقع رغم المواقع، واشتَدَّ فِكرًا وأدب.


خَبّئ ألفًا وانطق حرفًا، واجعل السِّر ينضج بالعمل، واربط نَفسك بعظيمٍ تَعظُمُ نَفسك!


{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}


{رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}


أستغفر الله تقصيرًا دائمًا، وجهادًا للنفسٍ لا أعطيه حقّه، وكلمةً أقولها لمجرّد القول، وعملًا يَميلُ قصدًا عن الغاية، وتمكينًا أعمل فيه و له ولا أكون من أهله!