لقد غرقتُ حد الثمالة، ولم أعد أشعر بأي شيء حولي، وكأني مغيبة تمامًا وفاقدة لكل ذرة تعقل ووعي، أصبحت أسرف في الفعل حتى دون أن أدرك ذلك وأعي ما يحيط بي، حتى أتت تلك اللحظة الحاسمة التي تغير فيها كل شيء. 


هل تظنون أني كنتُ هكذا طوال عمري، فلقد مررت بالكثير والكثير وجاهدتُ نفسي، ومن يراني الآن لن يصدق أني كنت تلك المرأة، وأذنبت وتبت حتى وصلت لما أنا عليه، بفضل ربي، بفضل ذلك الشعاع الذي أخترق قلبي ولم يتركه إلا بعدما شفاه من علله، وبالتأكيد مازلت أجاهد طالما روحي في جسدي لم تتحرر بعد، وأتذكر جيدًا هذه الآية الكريمة 

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} الروم:٦٩


لقد ولدت مُسلمة لأبوين مسلمين مثل كثير من المسلمين، ولم أكن تلك المسلمة حقًا، فقط قد كنت شكلًا بلا روح، نعم تحجبت وكنت أصلي حتى أني حفظت القرآن الكريم كاملًا، لكني قد كنت في صراع مع نفسي بين ما نشأت وتربيت عليه وبين تلك النفس المتمردة التي ترفض القيود فقط تُريد الحرية كما كانت تسميها ولكنها لم تكن حرية حقيقية، وإنما انفلات وانحراف عن الفطرة السليمة، ولكنها لم تعرف أنها ستتعذب وتتألم وتنزف دمًا حتى تدرك فضاحة اعتفادها؛ فالاعتقاد لا يكتمل إلا بتطبيق وتجربة تلك الفكرة، ولا تعرف مدى قوة إيمانك إلا عندما يتم اختبارك. 


لقد نشأت في أسرة متشددة، كل شيء فيها ممنوع، الإيمان فيها كان ظاهريًا أكثر منه باطنيًا، أم هذا ما اعتقدت ولكنهما سلكا مسلك التشدد، ونسيا هذا الحديث الشريف:

 ( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ ) رواه البخاري ومسلم،

 ولعل هذا كان من الأسباب الرئيسية التي أدت لذلك التحول الجذري في حياتي، مع أنها كانت فترة عصيبة وشديدة في حياتي ومؤلمة حد الجحيم، إلا أنها قد  كانت السبب في قربي إلى الله -عز وجل- ومعرفته حق معرفة، وقد ساعدتني على الوصول لذلك اليقين التام وتلك السعادة التي لا يعقبها سعادة وهي لذة القرب من الله وعبادته والتذلل والتضرع له واللوذ به من كل شيء، ومن ضعف وفتور قد يعتريني وأذى قد يصيبني وبلاء عظيم قد يحل بي، وطلب عونه ومساعدته في كل أمر أُقدم عليه، لقد أصبح الله أقرب إلي من نفسي والتي بمعرفتها ساعدتني في جهاد نفسي الأمارة بالسوء، والعمل على أن يغلب خيري شري فمن عرف نفسه فقد عرف ربه، وعلى الدنو منه، ومعرفة حقيقة الحياة والتخلص من زيفها.  


لقد أردتُ التخلص من كل هذا، لقد شعرت أني منافقة مدعية أفعل ما لا أؤمن به، وسألتُ نفسي: هل أصلي وأصوم وارتديت الحجاب، وأفعل تلك الأشياء التي تقول عني أني مُسلمة، هل لأني فعليًا أؤمن بذلك أم لأن والداي أجبراني أم لأني ولدت في هذا المجتمع الذي يقول عن نفسه أنه مجتمع مسلم أم لأني أؤمن بما أفعل؟! في الحقيقة أنا لا أؤمن بأي شيء من هذا كله، ما هي إلا قيود بالنسبة ليّ تقيدني، أليس من حقي أن أعتقد ما أشاء؟ هل لأني ولدت مسلمة فيجب عليّ أن أكون كذلك، وأعيش بقية عمري هكذا؟! لا لا لا وألف لا، لن أفعل، أنا من الأساس لا أشعر بالارتياح لما أفعل، لست سعيدة به، فقط أنا مُجبرة، فأبي يجبرنا على ذلك أن نفعل هذا ولا نفعل ذلك، لما هو متسلط هكذا؟!، وإن لم نستمع له يعنفنا ويُعاقينا بالسب والضرب لا أنكر أنه لم يكن بذلك الضرب المبرح ولكن اسمه ضرب وإهانة في النهاية، ويجبرنا على فعلها، ورغم ذلك في أغلب الإحيان كنتُ أجد طريقة ما للفرار وتنفيذ ما أردته، فعليّ أن أحرر نفسي من هذا السجن وهذا الجحيم، لست مضطرة أن تحمله بقية حياتي، ولن أبقى حتى يجبرني على الزواج من عينته، سأسعى بكل جهد حتى انعتق من ذلك القرف، سأكون ذكية وأنفذ ذلك، ألا وهو السفر هو الحل الوحيد، ولكن أبي لن يقتنع بذلك، لن يرضى أن أغيب عن ناظريه، سيقول لي انتظري وسافري مع زوجك، ما العمل؟، صحيح، لديه نقطة الضعف تلك؛ فهو يحب التباهي، سأخبره أني سأسافر إلى عمي في أمريكا لإكمال تعليمي هناك، وهل يوجد تعليم أفضل من بلاد الغرب، سأقنعه أني سأدرس الطب هناك لأكون طبيبة كما يريد يتفاخر بها أمام الناس، ألا يحب ذلك، رائع جدًا، فقد حصلت على منحة لدراسة الأزياء في نيويورك حلمي الذي لطالما أردت تحقيقه، وأكون حرة نفسي ولن يتحكم في حياتي أي رجل، سأعلن كل ما أؤمن به ولن يمنعني أحد، خطة في منتهى الذكاء، وبالفعل قد كان بعد محاولات وصولات وجولات قد وافق وتم الأمر. 


خمنوا ما أول ما فعلت عند ركوب الطائرة، تخمين صحيح، لقد خلعت الحجاب الذي لم ألبسه سوى من عامين فقط، وعندما سافرت أقصد هاجرت كان عمري سبعة عشر عامًا حينها، لقد كنت متحمسة كثيرًا كي أعيش تلك الحرية التي لطالما حلمت بها، وما كانت حينها إلا زيف لم أفهمه إلا عندما عشت التجربة بكل ما فيها، عندما وصلت من نظرات عمي شعرتُ حينها أنه لم يتفاجأ كثيرًا، وكأنه كان يعلم ما بداخلي، عمي مختلف تمام الاختلاف عن أبي فهو يشكل الإسلام الوسطي المعتدل، ومنذ لحظة وصولي لقد لاحظ وأسرته تصرفاتي الغير مألوفة لهم، ورغم كل ما فعلت لم يُجبرني عمي على شيء، بل على العكس فقد كان يقدم ليّ النصح ويُوضح ما زلّت قدماي فيه، وقد كان يتبع الآية الكريمة: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ} آلا عمران:١٥٩، لا أنكر وقتها تأثري من كلامه وأفعاله معي، ولكني كنت كالذي لا يسمع ولا يرى فلقد ختم الله على قلبي من هول المعاصي والذنوب التي غرقت بها حتى النخاع، لقد فعلت كل ما كانت تستهويه نفسي ، لم يكن يردعنى رادع، حتى في الزيارات القليلة التي كانت تأتي فيها أسرتي لم يقدروا علي؛ فقد صرتُ كالحصان الجامح الذي لايسيطر عليه أحد، ولم يقوى أحد على ترويضي، حتى خرجت عن السيطرة تمامًا في أحد المشاجرات الدائمة التي لا تتوقف بسبب تصرفاتي الطائشة التي لم تعد تُعجبهم، وفاض بي الكيل منهم تركت لهم البيت وذهبت للعيش في سكن طلابي، الآن لن أسمع من أي مخلوق أي خطب أو مواعظ أو تعليقات سخيفة على سلوكي، ورغم كل ما حصل إلا أني لم أقطع الأتصال مع عمي مع أنها لم تكن متواصلة وإنما لم تكن منقطعة، وقد كنت أطمئن على أسرتي من خلاله . 

يُتبع

٣٠ رمضان ١٤٤٠