ومن ضمن التغييرات فيها هو تقدمي في عالم الأزياء؛ فلقد شهد أساتذتي ليّ بالتميز والتفوق منذ أول يوم خطت فيه قدماي نحو المدرسة، وقد كانوا يأخذوني معهم في عروض الأزياء الكبرى، وكنت من أوائل المرشحين فيها، وتعرفت على أشهر المصممين في المجال، ولقد نالت تصاميمي مدح واستحسان كل من رآها وانْبَهَرَ بها، وقد سطع نجمي في السماء وبدأتُ أُعرف في المجال، ويشار ليّ  بالبنان، لقد كان صنع التصاميم هو شغلي الشاغل، فلقد كنتُ مستميتة على الوصول لأعلى درجة في عالم الموضة، وفعلت كل ما يلزم لأصل وبالفعل فعلت، لقد كانت السعادة تغمرني وتحولت من الإقامة في سكن مشترك إلى شقة فارهة بأفضل إطالة في المدينة، وأصبحتُ أحي حياة الترف والرفاهية، وأسافر وأجول العالم كما أردت، وصارت أعمالي تعرض في كل عواصم الموضة في العالم، وكان ليّ علامة تجارية باسمي تَّوْبة اسم لم يكن يعبر عنيّ وقتها، كان بعيد البعد عما أكون، وأصبحت من أشهر مصممي الأزياء في العالم، وأُطلب بالاسم، ويرتدي أزيائي أشهر الشخصيات، فقد كنت أعيش حلمي كأي شابة في مقتبل العمر، وحققتُ في سن صغير ما يطمح فيه غيري، ولكن وسط كل هذا لقد كنت أشعر بالفراغ والتعاسة، واكتشفت أن سعادتي كانت زيفًا، رغم أن عالمي ملييء بالأشخاص وبالعديد من الإنجازات إلا أنه كان يتسم بالخواء والنقصان، لم أفهم وقتها ما سبب كل هذا، وسألت نفسي وتعجبت من حالي كل العجب :"وصلتُُ إلى الشهرة والثراء، وحققتُ أهدافي التي أردت، وحصلتُُ على حريتي التي كافحت في سبيلها، فعلت كل ما أهوى وخطر على بالي، وبعدتُ عن كل ما ينغص عليّ حياتي؟!؛ ولكني لم أعد أشعر بشيء!، وكأني وصلت إلى سقف طموحاتي ومشاعري ولم أعد أرغب بالمزيد!"، حتى شارفت على الوصول إلى مرحلة الملل والسأم من كل ما يحيطني


لقد كنت أسكت كل تلك الأفكار والتساؤلات وتلك المشاعر بحضور الحفلات والسهر والسكر حتى أصبحت أعاقر الخمر ووصلت لمرحلة شبه إدمان إنما لم تكن إلا  إدمان بالفعل، فقد كان يجافيني النوم كثيرًا وتأبى جفوني النوم فلم أكن أنم إلا بتلك الطريقة، أو لنقل لقد كان يغمى عليّ من فرط الشرب، واستيقظ يوميًا على صداع الكحول، وبعدها أتناول مسكن وأشرب القهوة، فبين هذا والعمل المفرط، فقد حاولت إشغال نفسي قدر المستطاع حتى أنسى أو أتناسى ما مررتُ به، وكنت أغفل أحيانًا، ولم تلبث أن تعاودني تلك العواصف الفكرية والكوابيس الشعورية مرة أخرى، ففكرت "أُجرب الارتباط لعلي إن أحببت فقد تختفي تلك الدوامات عنيّ"، وبالفعل بدأت أعطي فرصة للرجال من حولي للتقرب منيّ، كل علاقة تبدأ لطيفة وجميلة ثم ما تلبث أن تنتهي سريعًا كما بدأت والسبب الأغلب هو أني كنت أرفض رفضًا جازمًا الدخول في أي علاقة جسدية، فبالرغم مما فعلت وانغماسي في الشهوات والمعاصي حتى كدتُ أغرق فيها، وفعلي كل ما يغضب الله ويُرضي نفسي، والأسوأ هو ترك الإسلام بالكلية أي أني كنت مرتدة عن الدين، ولكن لم أقع في الزنا أبدًا وكأني كنت أترك فرصة بسيطة للعودة مرة أخرى، حتى وصلت إلى مرحلة عسيرة لم أقوى على تحملها، لقد وصلت لأقصى مراحل الضيق والملل وسئمت نفسي وحياتي كلها وكرهتُ دنياي، ولم يعد ينفع معي أي حل حتى لم أجد بد من الانتحار لأتخلص من كل آلامي وعذابي، وبالفعل لقد أتخذتُ القرار، وفكرت "ما هي أسرع طريقة كي أقتل بها نفسي؟" وبينما أنا أسير في الشارع لم يخرجني من شرودي وقراري سوى سماعي لهذه الكلمات حتى كانت شرارة للعودة وهي: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} المؤمنون:١١٥، وكأني أسمعها لأول مرة وتذكرت كذلك قوله تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر:٥٣؛ فانتفض جسدي، وركعت على قدماي، ودخلت في بكاء شبه هستيري، وتسائلت: "يا الله! بالرغم مما اقترفت يداي مازلت تذكرني، وتنبهني من غفلتي، وتردني إليك قبل فعلي  ما سأندم عليه في الآخرة؟!، كم أنت عظيم كريم!، وأنا وضيعة حقيرة لا أستحق كرمك هذا!، أبعد كل هذا، أكان الحل أمام ناظري وأنا كنت عمياء لا أراه". 

وظللتُ على حالتي تلك حتى أتت ليّ هي بحجابها وحشمتها وابتسامتها ونظراتها العطوفة الحنونة التي افتقدتها وأخذت بيداي، وقالت:"حبيبتي، أنا أختكِ ملك، لما تجلسين هكذا؟، هيا بنا إلى الداخل، لابد وأنكِ تشعرين بالبرد، فالطقس شديد البرودة، وقالوا في الأنباء أن هناك عاصفة في طريقها للهبوب، وحذروا من الخروج في هذا الجو؛ فسيكون من العسير عليكِ المشي في هذا الطقس القارس ذو الرؤية الضبابية، تعالي معي فأنتِ ضيفتنا حتى تنقشع هذه العاصفة "؛ فعانقتها بحرارة وشكرتها من أعماقي، وقلت بارتجاف وصوت باكي:"لا أُريد أن أكون عبأ عليكم" فوضعت ملك إصبعها على فمي لتمنعني  من الكلام وقالت بوجه شبه غاضب وبلهجة آمرة :"لا تتفوهي بهذا السخافة؛ فأنتِ ضيفة وواجب الضيف إكرامه" ثم ابتسمت وقالت:"ألم يقل الرسول صل الله عليه وسلم: (وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أخيه) فابتسمت وتمتمت: "عليه الصلاة والسلام" فانتبهت لها ملك وتبسمت هي الأخرى، وقلتُ بصوتٍ حزين، لاحظته ملك:"ومن قال لكِ أني مسلمة مثلكِ حتى تطبيقِ فيّ هذا الحديث" ثم استطردتُ بشبه همس وصوت منتحب "فأنا لم أعد كذلك بعد، لقد تركت الإسلام منذ خمس سنوات، إن لم يكن قبل ذلك فعليًا " وأنهيتُ حديثي بغضب وبدأتُ انتحب مجددًا حتى أغشى عليّ من فرط الإرهاق والتعب، فلم أذق وقتها طعم النوم منذ أكثر من يومين وكذلك لم أضع في جوفي شيء، فقط كنت أفكر في كيفية ازهاق روحي ، وزاد حدة الأمر عندما سمعت وتذكرت عبارات كانت في ذاكرتي بعيدًا مخبئة أو أنا من تعمدتُ ذلك ، وبعد لقاء ملك أتذكر حالي وتأنيبي لنفسي لا شعوريًا على ما وصلت إليه، فلم تعد تتحملني قدماي أكثر؛ فملتُ بجسدي على ملك فنادت لأختها كي تساعدها على إسنادي ، وبالفعل قد أدخلاني للداخل ودثراني بالغطاء، وأحضروا الطبيبة كي يفهموا ما حل بي ؛ فقالت لهم بعد الكشف علي:"أني أعاني من نقص تغذية، وضغط نفسي، وأحتاح للعناية والراحة في السرير" وأكدت على تغذيتي جيدًا وكتبت لي فيتامينات ومقاويات، ثم ذهبت، وهذا ما عرفته من ملك فيما بعد، واعتنوا بي بشكلٍ جيد حتى استعدتُ كامل عافيتي ، وقد كان مكوثي معهم مريح، وشعرت بالأمان والاحتواء، وبدأ يتسرب بعض الدفء إلى نفسي الذي افتقدته، وكان أول ما سمعت عند استيقاظي وهو سماع الآيات التالية بنفس ذلك الصوت {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(١٢٦)} طه؛ فوعيتُ وأدركتُ علة ما مررتُ به هو البعد عن الله، واستسلامي لسوء نفسي وشرها. 


و لقد بدأتُ أتعرف على الله، وأتعلم عن أسمائه وصفاته، وكلما تعلمت أكثر كلما زاد حبي وتعلقي به أكثر، واكتشفتُ أني كنت أؤمن بوحدانية الله، ولكني أردتُ دينًا على هواي، وأني أفرطتُ في حب نفسي فعبدتها واتبعتُ هواي، وعصيت ربي، وتركت الإسلام لأنه قيد هذه النفس المتمردة التي أبت الخضوع، وتعلمت عن النفس وكيفية التعامل معها وكذلك الشيطان حتى أتدارك ما وقعت به ولا أكرره مرة أخرى، وفهمت أن عبادة الله ليست بالتشدد كما رباني أبي، ولا بالتفريط والجموح وراء النفس وشهواتها كما فعلت، وإنما كما سعى عمي في إيصاله ليّ، وكما تعلمت من أسرة ملك وإسلام، لن أنسى أبدًا فضل هذه الأسرة عليّ ما حييت، وأحمد الله كثيرًا على لقاء ملك تلك الليلة التي ساعدتني على الوصول إلى ما أنا عليه الآن، ولن انسى تلك التلاوة العذبة التي أعادت عقلي وكانت سبب في معرفتي لله وعبادته كما أراد منا وليس كما أردنا نحن. 

يُتبع