سهرة مع السلاح

أخذ محمد موضعه ليبدأ نوبته الليلية في الرباط على الحدود، وضع سلاحه في حالة تأهب و جلس مستعدا للضغط على الزناد في أي لحظة، كان يستطيع من خلال منظاره رؤية حركة جنود الاحتلال خلف السياج، راقب الوضع جيدا بدت له كل الأمور عادية فاطمأن قليلا و أسند رأسه لسلاحه يراقب سماء فلسطين الصافية، بدت سماء عسقلان من أمامه متلألأة بنجومها لكن الراية التي تحمل نجمة سداسية زرقاء محلقة في سمائها كانت تعكر مزاجه و تفسد عليه جمال المنظر.
هبت عليه نسائم أنعشت روحه كان يرى أن هذه النسائم رسائل الأرض المحتلة إليه، هوى الجليل، و غابات صفد، برتقال يافا و عكا، و زيتون الناصرة وعبق الكرمل من حيفا، أجراس كنائس بيت لحم وتكبيرات المآذن من القدس.
تزاحمت في داخله مشاعر ألم و أمل، حزن وسعادة، ألم على وطن مقطع الأوصال جزؤه مسلوب، و جزؤه محاصر، وأمة ضائعة تبحث عن دليل. وسعادة بأن سلاحه هو السلاح الأخير و رباطه هو الرباط الوحيد أمام هذا العدو، رباط لا يحمي الأمة فحسب بل الأنسانية كلها.
تحسس الجانب الأيسر من سترته أين تعود أن يضع صورة زوجته زينب لتكون قريبة من قلبه. كان يعلم أنها كلما عانقته عند خروجه للرباط أودعت قلبها عنده في ذلك العناق راجية أن يعود إليها به عند إنتهاء المهمة. دعا الرب بقلبه أن يحفظه لها، ثم تمتمت شفتاه: يا رب.
كانت عيناه جاحظتان لا تغيب رغم كل هذه المشاعر لحظة واحدة عن الهدف أمامها، و كلما أحس بأن النوم بدأ يتسلل إليه غير وضعيته حتى يتمكن من المواصلة، كان يعلم أن خطأ واحد لا يكلف حياته فحسب فحياته عنده رخيصة، بل حياة أناس كثيرين خلفه.
بدأ بتلاوة جزء من القرآن كما تعود. كان يسميها ختمة الرباط، و هي أحب الختمات إلى قلبه. قرأ من حفظه فمن المستحيل أن يمسك مصحفا في هذا الجو المحتقن، آخر سورة بلغها في المرة الماضية هي سورة السجدة فبدأ بتلاوة سورة الأحزاب حتى بلغ قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)

تلاها و كأن القرآن يتنزل عليه و كيف لا وهو يرى أيات الله قائمة أمامه.
في هذه اللحظات لاحظ حركة غير عادية للجنود وبدأ الطيران الحربي بالتحليق فوقه تماما، قال و قد أخذ وضع الاستعداد: يا الله بسم الله، أين ستذهبين و الله فوقك و جند الله تحتك.
لاحظ أنها تلتف إنها تقترب أكثر. جاءه صوت من القيادة عبر الهاتف اللاسلكي : انتباه خذوا مواقعكم.
الطائرة قريبة جدا منه بحيث استطاع أن يميز أنها تستعد لتضرب
امسك بسلاحه وتشهد قائلا: أشهد ان لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله.
لحظات و حصل الإنفجار.
انتشرت النيران و الغبار في المكان جراء القصف،
بعد لحظات وجد أن يديه قادرتان على الحركة فبدأ يتحسس جسده بهما و حين هم بالوقوف أحس بألم في قدمه، إنها مصابة...!
هنا جاءه صوت من هاتفه اللاسلكي ليطمئن: هل الجميع بخير.
فرد : بخير ... بخير سيدي إصابة طفيفة.