ليلة اللقاء


- لماذا كل هذه الأدوية يا صفية، ألم يقل الطبيب بأني قد تحسنت؟ قال الشيخ ذلك و هو يحاول نزع الأجهزة الطبية عنه.

مدت الشابة الجالسة بجانبه يدها لتمنعه ثم قالت: حالتك لم تستقر بعد يا أبي يجب عليك اتباع تعليمات الطبيب.
كان العجوز الممد على الفراش بالكاد يستطيع الحراك، يتمتم متذمرا فضمّت يده إليها تحاول تهدأته ثم قالت متفاجئةً:
أبي يدك ساخنةٌ جدا، سأستدعي الطبيب حرارتك ترتفع.
بدأ العجوز في تمتماته مجددا، فأضافت ملاطفةً: أبي لا تكن مدللاً سأستدعي الطبيب و يجب عليك اتباع التّعليمات مزال هناك خطر على صحتك.
أشاح العجوز بوجهه كطفل صغير يرفض الطعام ثم فجأة نظر إليها و ابتسم، فبادلته الإبتسامة سائلة: ما الخطب؟
قال: أتعلمين يا صفية حين أنظر في عينك أرى وجه أمك الجميل، عينان لامعتان مفعمتان بالأمل، كلما نظرت فيها يبعثان في النّفس طمأنينة و سكونا، و في الوقت نفسه أرى فيهما عزيمة و صبرا، فإذا كان في الدنيا شيئ تجتمع فيه القوة و الرقة، و الحزم و اللين معاً فهو عينا أمك يا ابنتي.
سكت العجوز هنيهة ثم ابتسم إبتسامة عريضة بدت بها نواجده و أضاف: وأهم ما يجمعكما التنبيهات التي لا تنقضي، فلا يمكن أبدا أن أنسى لاءاتها الخمس كل صباح:
- أحمد عزيزي لا تخرج دون أن تتناول فطورك.
- أحمد لا تنس أن تأخذ معك طعام الغداء فقد جهزته لك.
- أحمد لا تنس مفتاح المكتب فتعود لأجله.
- أحمد يا عزيزي لا تنس مفتاح سيارتك.
و إذا كان الجو باردا و لو قليلا تكمل تعليمتها الخامسة: يا عزيزي يا أحمد، لا تخرج بدون معطف.
ردت الشابة: لكنك يا أبي كنت متمردا و لا بد لك أن تكسر أحد هذه القواعد.
نعم نعم يا ابنتي خاصة إذا نسيت طعام الغداء فتضطر المسكينة لركوب النقل العمومي لتوصله لي للعمل، كما تعلمين هي ترفض تماما طعام المطاعم.
قالت صفية: أتذكر يوم نسيت غداءك فلحقت بك و لم تجدك في المكتب، لم تهدأ نفسها في ذلك اليوم حتى رأتك فأنت لم تخبرها يومها بعملك الخارجي. أذكر أنها جلست طول النهار لهاتف المنزل تتصل بالمستشفيات خوفا من أن يكون قد أصابك مكروه.
- نعم كان أسوء يوم أخالف فيه التعليمات. رد العجوز.
ربتت الشابة على يده و قالت: لكن اعتذارك يومها كان رائعا، هاتف نقال يمكّنها من أن تطمئن عليك في كل لحظة، كان الهاتف النقال يومها صعب المنال.
قال العجوز وقد بدا الحزن على محياه مجددا: أتدرين يا صفية؟ أمك لم تكن فقط تنظم أموري الشخصية و حياتي اليومية بل كانت بوصلة قلبي، تلم شتاته و تؤنس وحشته، و لو أنّي في يوم ما جئتها مشوش الأفكار رتبت داخلي بكلماتها. عشت معها خمسا و عشرين سنة لم تخلف وعدها معي إلا في مرة واحدة، يوم أَدخَلْتُها غرفة العمليات فشدّت على يدي و قالت لا تحزن ساعات و أعود، لكنها ذهبت و لم تعد.
قالت الشابة التي فقدت والدتها قبل أربع سنوات في عملية فاشلة: رحمها الله يا أبي، رحلت لكنها لم ترحل من قلوبنا، عليك أن تكون قويا كما أرادتك دائما أن تكون.
قال العجوز بصوت خافت: أخبرك بسر،...منذ ثلاث ليال و أنا أسمع صوتها في منامي، لي أمل كبير في أن أراها و يجمعني الرب بها.
قالت الشابة: اللّه لا يحرمنا منك يا أبي، اعتن بنفسك علي أن أغادر الان تأخرت كثيرا، عادل ينتظرني لم يسمحوا له بالدخول.
قال العجوز : وأنت أيضا اعتن بنفسك و زوجك، ثم شدّ على يدها و أضاف: يوم زفافك همست في أذني :هل تراها ستكون زوجة و أما ناجحة؟وددت لو أنها ترى كم أنت مميزة مثلها.
ابتسمت الشابة وقالت: هي بالتأكيد الان مطمئنة ما دمت أنت مطمئن، ألم تقل دائما أنها ترى العالم بعيونك أنت.
حسنا أراك غدا إن شاء الله.
قالت ذلك ثم طبعت قبلة على جبينه و غادرت المكان تاركة قلبها و فكرها عنده.
في الصباح رن هاتفها فردت: مرحبا.
قال المتصل: أهلا سيدتي معك مستشفى الشفاء، يؤسفني أن أخبرك أن السيد الوالد قد انتقل إلى رحمة الله البارحة لذا نرجوا منك الإلتحاق بالمستشفى للبدأ في الإجراءات.