الجبر، والكيمياء، والكحول، وحتى الخرشوف والمشمش، كلها ألفاظ مشتقة من الكلمات العربية، والتي جاءت إلى الغرب في عصر الحروب الصليبية. والأهم من ذلك هو الأرقام الهندية العربية (0-9)، التي حلت محل الأرقام الرومانية خلال نفس الفترة، وأحدثت ثورة في قدرة الغرب على الانخراط في العلوم والتجارة. جاء ذلك من خلال الاكتشاف اللاتيني للباحث الفارسي من القرن التاسع، الخوارزمي (الذي اشتق من اسمه لفظة الخوارزمية).

يتناقض هذا الفضل والتأثير للحضارة الإسلامية مع الادعاء الذي طرحه عالم السياسة صمويل هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات" منذ حوالي 25 عامًا، بأن الإسلام والغرب كانا دائمًا متعارضين تمامًا. في عام 2004، اقترح المؤرخ ريتشارد بوليت وجهة نظر بديلة؛ لقد جادل بأن الحضارة هي محادثة وتبادل مستمر، وليست ظاهرة غربية فريدة. 

ومع ذلك، لا يزال الغرب ينازع الاعتراف بإسهامات الثقافات الإسلامية (سواء الناطقة بالعربية، أو الفارسية، أو العثمانية، أو غيرها) في الحضارة.


انتقلت العديد من الأفكار العلمية، والسلع الفاخرة، من العالم الإسلامي إلى الغرب بعد الاستيلاء السلمي على مدينة توليدو الإسبانية من حكامها المغاربيين في عام 1085م. على مدار القرن التالي، أصبح العلماء في الغرب على دراية بالإرث الفكري للثقافة الإسلامية المحفوظة في مكتبات توليدو.

لم يكن تركيزهم على الإسلام كدين، بل على الفلسفة والعلوم التي انخرط فيها العديد من المفكرين الإسلاميين العظماء. كان أحدهم ابن سينا، وهو طبيب فارسي وعالم متعدد الجوانب (اختصاصي واسع الاطلاع) جمع بين التعلم الطبي العملي والتوليف الفلسفي للأفكار الرئيسية من أفلاطون وأرسطو. إقرأ هنا المزيد عن ابن سينا : https://rqi.im/JrrG

ابن سينا
ابن رشد


كذلك ابن رشد، كان طبيبًا أندلسيًا ومتعدد المواهب، وكان لانتقاداته للطريقة التي فسر بها ابن سينا آراء أرسطو، تأثيرًا كبيرًا على عالم اللاهوت والفيلسوف الإيطالي توماس أكويناس، وفي تشكيل أفكاره الفلسفية واللاهوتية في القرن الثالث عشر. في حين أن هناك جدلًا حول مدى تعرض الكاتب الإيطالي دانتي للتأثيرات الإسلامية، فمن المرجح جدًا أنه استلهم العديد من حبكته من قصة الإسراء والمعراج، وبعض القصص القرآنى في كتابه حيث بدا واضحًا فى كتابه تأثره برحلة الإسراء والمعراج التى قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم وصعد إلى السماء. كانت الكوميديا الإلهية، بسردها لرحلة دانتي المتخيلة من الجحيم إلى الجنة، تتبع هذا التقليد . من المحتمل جدًا أن دانتي سمع محاضرات من ريكولدو دي مونتي كروس، وهو دومينيكي متعلم قضى سنوات عديدة في دراسة اللغة العربية في بغداد قبل أن يعود إلى فلورنسا حوالي عام 1300م، ويكتب عن رحلاته في بلاد الإسلام. ربما انتقد دانتي تعاليم المسلمين، لكنه كان يدرك تأثيرها الواسع.

كما أمد الإسلام الغرب بالصورة الجوهرية لعصر التنوير من خلال رواية عربية؛ "حي بن يقظان"، صاغها المفكر العربي ابن طفيل في القرن الثاني عشر. يروي قصة كيف أن طفلًا متوحشًا يعيش وحيدًا في جزيرة صحراوية، والذي من خلال العقل وحده يهتدي إلى رؤية للواقع. نشرت تلك الرواية في أكسفورد، مع الطبعة العربية-اللاتينية في 1671م، وأصبحت حافزا لإسهامات الفلاسفة الأوروبيين، أمثال جون لوك، و روبرت بويل. تمت ترجمة هذا العمل إلى الإنجليزية عام 1708م باعتباره تحسينًا وتطويرًا للعقل البشري، وقد بدا تأثيره أيضًا على الروائيين، بدءًا من رواية دانيال ديفو "روبنسون كروزو" في عام 1719م. فمصادر التنوير ليست فقط في اليونان وروما.

الخوارزمي... ابن سينا... ابن رشد... وذكرنا كذلك ابن طفيل، ليس أخر من تستطيع أن تلمس تأثيراتهم الواضحة على الحضارة الغربية من خلال ثقافتهم الإسلامية الواسعة، التي تنوعت بين الطب والفلسفة والرياضيات والأدب وشتى العلوم، التي يدين الغرب بها للحضارة الإسلامية، والتي كانت أساس بناء الثقافات الغربية وانخراط علماء الغرب في المنحى العلمي، ومناحي الحياة المختلفة.


إعداد/ طارق عادل

المصدر:

https://theconversation.com