من إحدى الظواهر في أوساط القرّاء ظهور شخص يحدثنا عن عدم جدوى الروايات، ومكتبة مليئة بهذا الفرع من الأدب هي مكتبة فارغة من الكتب والعديد من الترهات المزعجة، لكن من أين بدأت الرواية؟


سرد القصص عادة بشرية أصيلة، بداية من رجل الكهف ونقوشه البسيطة على الجدران، وصولاً إلى نسج الأساطير الدينية والكونية، استخدم الإنسان القصة للإجابة عن أسئلته في مختلف الحضارات، فجعل للظاهرة الكونية -المستعصية علي فهمه- إله يقوم بها، ونسج الحكايا ذات المغزى ليغرز القيم، وانتقد السياسات والسلاطين في قصص تختبئ خلف حجاب المزحة، أسقط على الوضع الاجتماعي في قصصه، وحتى اضطراباته النفسية، فأصبحت الميثولوجيا خاصة الإغريقية مادة خام لاستخلاص النظريات النفسية.


حتى إسلامنا به من القصص في القرآن والسنة ما يطيب النفس ويهدئ الروح ففي سبب نزول قوله تعالى : ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) الآية [ 3 ] .
 عن مصعب بن سعد ، عن أبيه سعد بن أبي وقاص في قوله عز وجل : ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) قال : أنزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلاه عليهم زمانا ، فقالوا : يا رسول الله ، لو قصصت . فأنزل الله تعالى : ( الر تلك آيات الكتاب المبين ) إلى قوله : ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) الآية ، فتلاه عليهم زمانا ، فقالوا : يا رسول الله لو حدثتنا ، فأنزل الله تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ) قال : كل ذلك تؤمرون بالقرآن .
رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أبي بكر العنبري ، عن محمد بن عبد السلام ، عن إسحاق بن إبراهيم .
- وقال عون بن عبد الله : مل أصحاب رسول الله ملة فقالوا : يا رسول الله ، حدثنا ، فأنزل الله تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث ) الآية ، قال : ثم إنهم ملوا ملة أخرى ، فقالوا : يا رسول الله ، فوق الحديث ، ودون القرآن - يعنون القصص - فأنزل الله تعالى : ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) فأرادوا الحديث ، فدلهم على أحسن الحديث ، وأرادوا القصص ، فدلهم على أحسن القصص.


نحن نهوى القصص، منذ طفولتنا وقصص قبل النوم، وقصص الأنبياء المصنوعة بالصلصال، وقصص مدرّسة اللغة العربية، ونشأنا على قصص الفلكلور والشاطر حسن ومغارة على بابا، القصص جزء منا، تقول مالا نقوله.
وترى قصير النظر قليل الخبرة يضم الروايات جميعها في حقيبة الرومانسية، مغفلاً تلك التي حركت فينا تساؤلاً لطالما خشينا طرحه، عن تلك التى أثارت فينا فصولا نحو بلد أو فكرة ما لنطارها فيما بعد.


تستطيع رؤية الفرق الخفى بين الغارق في الأدب خاصة الروايات وبين قارئ الكتب الغير روائية فقط، فـ الأول تلمس في حديثه اللطف الشديد، وتشعر بدفء العبارات، يتأثر بتلك المذبحة التاريخية ويبكي على تلك المدينة، بينما الثاني يلقي عليك حقائق قد تتبعها بعض آرائه، يروي لك الحدث الجلل وعدد ضحايا الحروب كما قرأها كما قرأه، لا يخبرك عن طفل بكى والديه، ولا عن المرأة التي تبكي انهيار بيتها وذكرياتها منذ زواجها، ولا حنين عجوز لشارعه الذي تهجر منه.


تروي لنا الروايات ماوراء التاريخ والفلسفة، تمنحنا فرصة لنسمع مدافع الحرب، ونرى قصور فارس ونشعر بحر صحراء الجزيرة، الكتب تجعلنا أكثر ثقافة وفهماً، بينما ترقق الرواية قلوبنا .