قل للصبية تردينى وتحيينى
لم يبق منى سوى ما ليس يبقينى


كنا فى رمضان، وعزمت الصيام عن الشعر، إلا أنى قررت ألا ضرر باطلاع مرة، بالكاد انتظرت مضى الشهر، لأسمع قصيدة تميم الجديدة "صبية" ما لا أحصيه من المرات، ولا أذكر من الأمر سوى اضطراب يغزو جسمى كله! 

للشعر جموح ولذة. وأنا أحب نسب لفظة الشعراء إلى البعض، لا لشعر نظموه، بل لأنهم حالمون كالشعراء، عابثون تتقاذفهم الأهواء؛ أو ربما لأنى أحب القصيدة بقدر ما تثير فى نفسى من الجموح واللذة، فاختزلت فيما يستهوينى الشعر كله، وأجمله أكذبه، إلا أنى لا أُكذب الشعر، فالعاطفة تصدُق لحظتها، لا ينقضها عبث ولا تقلب.

يا ظبية فى قديم الشعر ما برحت
تبكى الكرام بمنهل ومكنون


أمرأة؟ لا أظن، بل أراهم يكنون عن الهوى بالنساء، وما يكون بين الرجال والنساء من الحب هوى، بل أكثر تجلياته تأججا وتكرارا، حتى ليختزلون فيه الهوى كله! 

رأيتها وأنا فى الحق لم أرها 
لكنه طرب للشعر يعرونى
يحيل كل فتى مرت بخاطره 
وكل بنت إلى ليلى ومجنون


أواه يا تميم! أنتبه للبيت بعد استماعات كثيرة للقصيدة. الجموح الجميل الفتان.. لهاث الهوى.. لهاث الحب.. بل لهاث الجموح نفسه! والمحبوب فى هذا كله ليس مقصودا لذاته، بل هو جولة، تطول ما دامت نيران الفتنة، فإن خبأت؛ صار المحب لأحد حالين، فإن كان جموحه عارضا؛ عاد فسكن، وإن كان من معشر الجامحين؛ قام فطرق هوى جديد!

قد ينقص الحسن قدرا من تيقنه 
ولا كحسن بظهر الغيب مظنون
وأعرف الحسن لكن لا أُعرفه 
يبدو لعينى ولا يبدو لتعيينى


نعم، يُعرَف الحسن، كما عرفت وقع هذه القصيدة على أذنى. عجيب تعوذنا بالله من الفتن، ثم الفناء خلفها؛ ربما لأنّا إذ نرد موردها لا نذكر  إلا الآن، ولا نعرف غير اللحظة، وهى جارفة لا ترضى ترويا، ولا تمهل تفكرا.

هى الأسير رأى فى البعد أسرته 

فقال لا ترجعوا للدار من دونى

والروح تسعى وراء الروح تؤنسها 

من غربة الدار بين الماء والطين


أتسعى الروح وراء الروح حقا؟! أم تسعى فحسب؟ وهل تأنس بالغاية أم بالطريق؟


لا معنى لإجابة الأسئلة.. ولو أهدينا قيسا ليلاه؛ لزهدها، ولو أهدينا طلابا نقرأ عنهم، أفنوا أعمارهم فى حفظ المتون والكتب، شبكات إنترنت واسعة؛ لكسلوا، وربما لا نهوَى إذ نهوى..سوى طلبا للهُوِى.

ويدخل النار فيها أمة طمعوا  

من حسنها فى جنان الحور والعين